شبهات حول فلسطين (16)
هل اهتم المماليك بالقدس؟
ربما لا يكاد
أحد من المؤرخين المنصفين يختلف على الاهتمام الاستثنائي الذي أولته الدولة
المملوكية للقدس، يشهد لذلك الكمية الهائلة من العمران والمعالم الكثيرة التي
انتشرت في المدينة المقدسة وما زالت شاهدة إلى اليوم على هذه العلاقة الخاصة بين
المماليك والقدس.
لكن بالرغم من
ذلك، ما زلنا نجد بعض الأصوات تخرج علينا بين حين وآخر تحاول تجريد المماليك من
هذه العلاقة الحميمة مع القدس وتحويلها إلى مجرد «استعمال» للقدس لأجل الوصول إلى
قلوب المسلمين فقط.
سردية التهميش
ومن ذلك ما نراه
على سبيل المثال عند الباحث المستشرق يوسف دروري، وهو أستاذ في جامعة «بار إيلان
الإسرائيلية»، الذي خصص دراسة كاملة لمحاولة إثبات أن القدس لم تشكل في العصر
المملوكي أي أهمية سياسية للدولة المملوكية، بدليل أن المماليك لم يهتموا بترميم
أسوار القدس التي هدمها الملك الأيوبي المعظم عيسى عام 1219م، ولم يجعلوا القدس
عاصمةً، بل جعلوها «منفىً» للمناوئين للنظام، بما يشير إلى أنهم كانوا يعتبرونها
مدينة هامشية.
وفي الحقيقة،
أجد هذه الادعاءات تتساوق تماماً مع الفكرة العامة التي يحاول عدد كبير من
الباحثين والأكاديميين «الإسرائيليين» بثها في دراساتهم، والمتمحورة حول ضرورة
إثبات هامشية القدس في الفكر الإسلامي في مقابل تضخيمها لدى الفكر اليهودي.
الشواهد العمرانية المملوكية في القدس
والواقع أن
حقيقةَ أن غالبية المعالم التي نراها اليوم في القدس مملوكيةُ البناءِ وحدَها
كفيلةٌ بالرد على هذه الادعاءات، فالقدس في العصر المملوكي حفلت بعدد هائل من
العمائر والأوقاف والمباني المختلفة كان ينافس القاهرة نفسها فضلاً عن دمشق كبرى
مدن الشام، وهذا وحده يبين أن القدس كانت دائماً حاضرة في المعادلات السياسية التي
يرغب من خلالها كل ملك من ملوك المماليك إثبات وجوده وتخليد اسمه.
فبالرغم من أن
المماليك لم يعيدوا بناء أسوار القدس بالكامل كما فعل العثمانيون، فإنهم عملوا على
ترميم المواقع المقدسة في القدس وتسابقوا على ذلك، فأكبر عملية ترميم وإعمار لقبة
الصخرة والجامع القبلي في المسجد الأقصى المبارك على سبيل المثال منذ العصر الأموي
كانت عملية الإعمار والترميم الكبير في سلطنة الملك محمد بن قلاوون، أحد أهم
سلاطين المماليك وأطولهم حكماً.
وأما السور،
فإنه كان موجوداً بالفعل ولم يكن قد أزيل بالكامل في عهد الأيوبيين، يشهد لذلك ذكر
السور في كتاب «الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل» لمجير الدين العليمي، وهو من
أهم الكتب التي وصفت القدس في أواخر العصر المملوكي وتحديداً عصر الملك الأشرف
قايتباي.
كما أن الحالة
العامة للدولة في العصر المملوكي مع اندحار الفرنجة نهائياً من المشرق في عصر
الأشرف خليل بن قلاوون والقضاء على آمال المغول تماماً في أوائل ذلك العصر جعل
مدينة القدس آمنة إلى حد كبير، ومع ذلك، فقد اهتم المماليك بإنشاء ما عُرِفَ في
ذلك الوقت بالأربطة (جمع رِباط)، يقيم فيها المتصوفة مرابطين، والرباط مفهومٌ
إسلامي يستعمل لوصف الحماية والدفاع عن الأرض المقدسة.
مركزية القدس
كما أن مسألة
كون القدس عاصمة لم يكن يوماً إشارة إلى مدى أهمية القدس السياسية، فمكة والمدينة
لم تكونا عاصمتين منذ نهاية العصر الراشدي، وما ذلك إلا للنأي بهذه المدن المقدسة
عن أي صراعات سياسية كان يمكن أن تؤدي إلى النَّيْل من قدسية المدينة، وهو ما
ينطبق على ادعاء كونها «منفى»، كما يدعي دروري، فهي كانت ذات طابع ديني وموقع إستراتيجي
في الوقت نفسه.
ومع ذلك، فإن
أهمية القدس السياسية والإدارية تظهر واضحة في ارتباط نيابة القدس مباشرة بالسلطنة
في القاهرة، وهو ما يشير إلى مدى اهتمام المماليك بها مع المحافظة على طبيعتها
الدينية الجامعة المميزة، وهو أمر يُحسَبُ لصالح المماليك لا ضدهم كما يدعي دروري
وغيره.
والمحصلة هنا أن الوقائع على الأرض والآثار المذهلة التي تركها المماليك تعد أهم شواهد كذب أي ادعاءات تقال في حق علاقتهم بالقدس، بل يجعل أمثال هذه الادعاءات ضرباً من السفسطائيات لا أكثر!
اقرأ أيضاً:
بيت المقدس.. أسباب الانتصارات فيها وأسباب الهزائم
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً