هل تتجدد الحرب على غزة؟ سلاح المقاومة كاستحقاق حاسم لمسار المفاوضات
بقدر ما حملت
معركة «طوفان الأقصى» من اختلافات وازنة عن المعارك السابقة، إلا أنها احتفظت
بجملة من الثوابت، أبرزها أن «إسرائيل» لا تحترم المواثيق، وأنها برعاية أمريكية
يمكنها خرق أي اتفاق مهما كانت الضمانات، وبالنظر إلى اتفاقيات الهدنة التي نكثتها
«إسرائيل» تواليًا، وصولًا إلى اتفاق إنهاء الحرب الذي ضمنته أمريكا ودول إقليمية،
ونصّ بوضوح على وقف إطلاق النار، إلا أن «إسرائيل» واصلت عملياتها وقتلت مئات
الفلسطينيين.
يقف الآن
استحقاق حاسم يتعلق بمسألة سلاح المقاومة، ورغم أن الاتفاق ينص صراحة على أن الحرب
انتهت، وأنه سيجري الانتقال إلى المرحلة الثانية تحت مظلة وقف إطلاق النار، وبضمان
عدم تجدد الحرب، فإن الإدارة الأمريكية التي صاغت الاتفاق تظهر أنها أول من يمكن
أن تنقلب عليه، وهو ما جسده تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب: نزع سلاح حركة «حماس»
سيحدث بالطريقة السهلة أو الصعبة.
لماذا السلاح مهم؟
تتبنى حركة «حماس»
وفصائل المقاومة العمل المسلح كهوية أكثر من كونه وسيلة، فالسلاح من منظورها هو
فكرة عميقة تستند إلى ارتباط ديني، لكون «حماس» تعتمد فكرة الجهاد كمبدأ، ولهذا
فالسلاح مسألة صفرية في وعي أفرادها وقادتها.
وتاريخيًا،
أدركت المقاومة، بالعطف على التجارب، أن القوة هي التي حسمت المعركة مع الاستعمار،
ووجوديًا تفهم «حماس» أنها بدون قوة تحميها ستكون عرضة للبطش بها.
بالمقابل، فإن «إسرائيل»
بعد عامين من الحرب، لا تريد التنازل عن هدف الحرب الرئيس، وهو حسم «حماس» والقضاء
عليها، وهذا لا يتأتى أبدًا و«حماس» محتفظة بقدراتها العسكرية، فالسلاح هنا قضية
صفرية من الصعب جسر الفجوة بشأنها، أسوة بالقضايا الأخرى كتبادل الأسرى والتفاهم
على حكم القطاع وغيرها من المسائل التي وسع الأطراف تقديم تنازلات بشأنها.
مواقف الأطراف
أولًا: الموقف «الإسرائيلي»:
يحكم الموقف «الإسرائيلي» منطلقان رئيسان: أولهما المنطلق الأمني والإستراتيجي،
وقد شهد هذا المنطلق تحوّلًا نوعيًا بعد السابع من أكتوبر، إذ استقر التقدير
الأمني والعسكري على أن بقاء حركة «حماس» مسلحة يشكل خطرًا يتراوح بين المستوى الإستراتيجي
والوجودي.
ترى «إسرائيل» أنها
لا تحتمل أن تحتفظ «حماس» بمنظومة صواريخ أو بشبكة أنفاق متطورة، إضافة إلى قدرات
القتال في البيئات المدنية التي أثبتت فاعليتها في حرب المدن، مثل أسلحة القنص،
والعبوات الناسفة، والقذائف المضادة للدبابات، وغيرها من أدوات الاشتباك غير
المتناظر.
والثاني هو
منطلق العنجهية السياسية، ويتجلى في خطاب نتنياهو ووزراء اليمين، حيث يذهب الطرح
إلى حد مصادرة كل قطعة سلاح، بل كل رصاصة، وقد أوضح نتنياهو خلال لقائه مع الرئيس
الأمريكي ترمب وجود 60 ألف قطعة سلاح في غزة، في تحريض باتجاه نزع هذا السلاح.
ثانيًا: الموقف
الأمريكي: تسعى أمريكا إلى سحب السلاح في إطار يهدف إلى إنهاء الحرب، وخلق حالة
استقرار تسمح بتثبيت نفوذها بغزة، تمهيدًا لتحويل القطاع إلى منطقة قابلة
للاستثمار الاقتصادي، ولذا فهي تتبنى فكرة خلوّ غزة من السلاح الثقيل الذي يشكل
تهديدًا لـ«إسرائيل».
أما نقطة الخلاف
فتتمثل في السلاح الخفيف؛ إذ تدرك الولايات المتحدة صعوبة قبول «حماس» بنزعه في ظل
انتشار عصابات معادية لها داخل القطاع، كما أن السلاح الخفيف لا يُعدّ تهديدًا
وجوديًا لـ«إسرائيل»، ما قد يدفع واشنطن إلى إبداء قدر من المرونة في هذا الشأن.
ثالثًا: الدول
الإقليمية الضامنة: لا تبتعد كثيرًا عن التصور الأمريكي، إذ تميل إلى الضغط على
حماس للقبول بصيغة تضمن استمرار الاتفاق، دون أن تمتلك أدوات ضغط حقيقية على «إسرائيل»،
ودون أن تُلزمها بتعهدات واضحة.
رابعًا: موقف
حركة «حماس»: ترفض «حماس» نزع سلاحها، فهي لا ترغب في تكرار تجربة منظمة التحرير
الفلسطينية بعد خروجها من لبنان، حين لم تمنع الضمانات الدولية «إسرائيل» من
ارتكاب مجازر بحق الفلسطينيين، وترى الحركة أن الضمانات الحالية أثبتت إخفاقها في
إلزام «إسرائيل» بتنفيذ تعهداتها المتعلقة بفتح المعابر، ووقف العمليات، وغيرها من
البنود المتفق عليها، وبمنظور «حماس»، فمن يضمن ألا يفتح نزع السلاح شهية «إسرائيل»
للإمعان في ارتكاب المجازر وتصفية الحركة؟
ومع ذلك، يمكن
للحركة أن تُبدي مرونة فيما يتعلق بحلول تؤدي إلى وقف القتال، وهو ما يعني ضمنيًا
تجميد استخدام السلاح، دون القبول بتفكيكه أو مصادرته.
إشكالات جوهرية
حتى الآن لا
تدرك «إسرائيل» الحجم الحقيقي للسلاح الموجود في غزة، وبناءً على ذلك قد تستمر «إسرائيل»
في الادعاء بوجود أسلحة متبقية في القطاع مهما جرى من عمليات مصادرة، بحيث يتحول «السلاح
غير المنزوع» إلى ذريعة مفتوحة لاستمرار الخروقات.
عامل الوقت عنصر
حاسم في المعادلة؛ فعملية كهذه ستتطلب زمنًا طويلًا، الأمر الذي يعني عمليًا إعاقة
جهود الإعمار، وإبقاء الجميع في حالة ترقب أمني وتحفز دائم أمام احتمالية استئناف
القتال في أي لحظة.
وفي حال وافقت «حماس»
على نزع السلاح، من الجهة التي ستتولى التنفيذ؟ ومن يضمن ألا تفضي العملية إلى
إشكالات أمنية خطيرة أو صدامات ميدانية؟ وإذا لم توافق «حماس»، فهل ستنجح عملية
عسكرية «إسرائيلية» في تحقيق الهدف، سيما أن العمليات العسكرية على مدار عامين لم
تُفضِ إلى إنهاء البنية العسكرية للمقاومة بالكامل؟
السيناريوهات المتوقعة
سيناريو
التسوية: تبدو فرص التوصل إلى تسوية شاملة بشأن نزع السلاح قائمة نظريًا، لكنها لا
تبدو واعدة نظرًا لاتساع الفجوات بين المواقف؛ فـ«إسرائيل» تطالب بنزع السلاح وفق
صيغة استسلام، وهو ما لا يمكن لحماس قبوله، فيما من المتوقع أن تكون استجابة «حماس»
–إن حدثت– محدودة ومشروطة بضوابط وضمن محددات لا تمس جوهر الاحتفاظ بالقوة، وتمنع
الانزلاق نحو صيغة استسلامية.
سيناريو عودة الحرب
في حال عدم
استجابة حماس، يُرجح أن يجري التدرج في الخيارات التصعيدية؛ كوقف الإعمار، وتشديد
الحصار، وصولًا إلى العودة للقتال، وستكون هذه العمليات منوطة بالجيش الإسرائيلي،
لا بالقوة الدولية أو غيرها، بما يعني عودة إلى المواجهة العسكرية المفتوحة.
تجد المقاومة نفسها أمام خيارات صعبة، فالتفريط بالسلاح هو نهاية حتمية، وعليه يتبقى خياران؛
إما المواجهة، أو اعتماد قدر من المرونة التفاوضية، إذا تمكنت الحركة من توظيف هذه
المرونة، فقد يتيح ذلك تثبيت تهدئة طويلة، أما إذا تعذر ذلك، فستكون الساحة أمام
مواجهة متكررة في أزقة غزة، وربما يعاد المشهد السابق بكامل تفاصيله: ألم ودمار
وصبر وقتال وإخفاق صهيوني في دفع قادة المقاومة إلى التنازل والاستسلام.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً