هل تستطيع التطبيقات الذكية تعليم أولادنا الربح الحلال؟

أميرة زكي

08 أكتوبر 2025

437

 

هل تخيلت يوماً طفلك ذا الثلاثة أعوام يدخل عالم المال الخاص به؛ حيث يصير المصروف وحصالة الادخار وبنود الإنفاق برنامجاً تكنولوجياً يقوده إلى عالم «الفنتك» (FinTech) أو التكنولوجيا المالية؟ وماذا إذا ربطته التكنولوجيا بثقافة الاقتصاد الإسلامي ليتعلم الفرق بين الربح والربا ويطبق عملياً فريضة الزكاة؟

هذا بالفعل هو ما بدأه أطفال الجيل الرقمي حيث تدفعهم التكنولوجيا إلى أن يتعاملوا مع عالم المال عبر شاشات تلمس وتطبيقات تتفاعل.

وبين دقات العملة المعدنية وهي تسقط في جوف الحصالة، وومضات الإشعارات على الأجهزة اللوحية، تُنسج خيوط الوعي المالي لأطفالنا، إنها رحلة من قناع يخبئ كنوزه تحت الوسادة، إلى بطل صغير يدير شؤونه المالية في عالم افتراضي، لكنه يبحث عن بوصلة أخلاقية في عالم الاستهلاك والادخار.

السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نعد أطفالنا لمواجهة تعقيدات النظام المالي الحديث مع الحفاظ على هويتنا الإسلامية وقيمنا الأصيلة؟ كيف ننتقل من ثقافة «الصرّة» و«العيدية» إلى عصر «المحافظ الرقمية» و«الاستثمار الإلكتروني» دون أن نفقد البوصلة الأخلاقية؟

حصالة رقمية

بين عشية وضحاها، ظهرت تطبيقات مثل «بنك الطفل» و«فلوسي» كناتج مبادرات عربية وإسلامية لتقديم نموذج فريد ملائم بالهوية الإسلامية بعد تسابق الشركات التقنية لتطوير منصات مالية مخصصة للأطفال واليافعين.

تشير الدراسات العالمية إلى أن الأساسيات المالية تتشكل في عمر السابعة؛ ما دفع العديد من الدول إلى إدراج التربية المالية في مناهجها التعليمية.

هذا النموذج الجديد لا يكتفي بتعليم الأطفال أساسيات الادخار والإنفاق، بل يدمج القيم المالية الإسلامية المتأصلة، مثل الزكاة، والصدقة، والربح الحلال، في قلب تجربة المستخدم؛ ما يخلق جيلاً واعياً مادياً ومسؤولاً اجتماعياً.

تطبيقات الخليج التي انتشرت مثل «جُملة» فاجأت المجتمع بأنها تتيح للأطفال إدارة مصروفهم بشكل رقمي.

ما يميز بعضها هو تقسيم الرصيد إلى أقسام واضحة: «ادخر» لمستقبله، «أنفق» لحاجاته الحالية، و«تصدق» بشكل مباشر عبر ربط التطبيق بجمعيات خيرية موثوقة.

ومن النماذج المصرية المبتكرة في مصر، ظهرت مبادرات مثل «فِلوسي» ومشاريع تكنولوجية تعليمية تقدم محتوى تفاعلياً للأطفال.

من خلال ألعاب وقصص مصورة، يتعلم الطفل الفرق بين الربح والربا، وكيفية كسب المال من خلال مشاريع صغيرة (مشروعي الصغير) بما يتوافق مع مفهوم الكسب الحلال.

أطفالنا والتربية الاقتصادية

يقول د. عبدالجواد قصير، في كتابه «التربية الاقتصادية للأبناء»: يتوجّب على المربّين عموماً والوالدين خصوصاً تربية الأبناء على المفاهيم الاقتصادية السليمة المتوافقة مع الشريعة الإسلامية وتزويدهم بالمعارف والمهارات اللازمة ليكونوا أفراداً متّزني الشخصية من جهة، وفاعلين اقتصادياً منذ نشأتهم وحتى وصولهم إلى مرحلة يصيرون فيها آباء وأمهات ومنتجين مساهمين في بناء مجتمعاتهم.

ويرى قصير أن التربية الاقتصادية الإسلامية هي أن يعمل وليّ الطفل على إكساب طفله مجموعة من المعارف والاتّجاهات، وتعويده على مجموعة من السلوكيّات، وتدريبه على المهارات التي تجعل أنشطته الاقتصاديّة، ومعاملاته مطابقة لمنظومة القيم الدينيّة والتشريعات الإلهيّة من جهة، وتمكِّنه في المستقبل من استثمار الممتلكات واكتساب الأموال، واستعمالها بطريقة متوازنة، توصله إلى العيش الكريم والتقرّب إلى الربّ الرحيم.

وهنا يبرز السؤال: كيف نغرس قيمة الزكاة والصدقة؟

وفي طريق الإجابة يبرز ذكاء الوالدين في استخدام التكنولوجيا كأداة التربية، ويمكن إجمال الإجابة في النقاط التالية:

1- القدوة العملية: عندما يرى الطفل والديه يستخدمان هذه التطبيقات لتحديد مبلغ الزكاة وإخراجه عبر المنصة، فإنه يدرك أن هذا ركن أساسي من أركان المال، وليس مجرد فعل ثانوي.

الاختصاصية الاجتماعية والإعلامية الإماراتية فاطمة القاسمي تؤكد: الطفل مرآة لأبويه، لا يمكن أن نطلب من الطفل أن يكون كريماً إذا كان يرى أبويه يبخلان، التطبيقات الحديثة تتيح فرصة رائعة لمشاركة الأسرة كلها في عملية التبرع؛ ما يعزز القيمة بشكل عملي.

2- ربط القيمة بالهدف: بدلاً من أن تكون الصدقة مبلغاً يُنزع من محفظته بإكراه، تصبح عبر التطبيق خياراً ممتعاً، يمكن للوالدين تحفيز الطفل بأن المبلغ الذي يضعه في خانة التبرع سيساهم في شراء لوحة مدرسية لطفل فقير، أو كسوة لعيد الأضحى؛ ما يخلق لديه شعوراً بالإنجاز والإنسانية.

3- الحوار والمناقشة: يمكن استخدام البيانات والتقارير البسيطة التي توفرها هذه التطبيقات كنقطة بداية لحوار عائلي، لماذا قررت أن تتصدق بهذا المبلغ هذا الأسبوع؟ أو ما حلمك الذي تدخر من أجله؟ هذه الحوارات تعمق الفهم أكثر من أي أمر مباشر.

د. لمياء عبدالله، أستاذة علم نفس الطفل بجامعة قطر تحذر من فصل الوسيلة عن الغاية: علينا أن نحرص على ألا تتحول هذه التطبيقات إلى مجرد ألعاب مسلية تفتقد للعمق التربوي، الأهم هو أن نربط هذه التطبيقات بالواقع الملموس للطفل، عندما يدخر الطفل لشراء دراجة، وعندما يتبرع لمساعدة جاره المحتاج، هنا تتحول المفاهيم المجردة إلى قيم راسخة.

من جانبه، يضيف المهندس وليد حسين، مطور تطبيقات «الفينتك» الإسلامية: نعمل على تطوير جيل جديد من التطبيقات يستخدم الذكاء الاصطناعي لتقديم نصائح مالية مخصصة للأطفال حسب عمرهم وشخصيتهم، التحدي الأكبر هو تقديم محتوى «Islamic Fintech» يجمع بين الدقة الشرعية والجاذبية الترفيهية.

من المعروف أن السلوكيات المالية تتكون في عمر مبكر جداً، وأن النفس البشرية تميل إلى المدح والثناء والمكافأة؛ وبالتالي، فإن تصميم التطبيقات التي تستند إلى التذكير بالإنجاز والمكافآت المعنوية هي أكثر فعالية من تلك التي تعتمد على الترهيب أو التخويف، عندما يرتبط التوفير بشعور بالفخر والرضا، فإنه يتحول إلى عادة دائمة.

تحديات شائكة

رغم هذه الجهود الواعدة، تواجه هذه المبادرات عدة تحديات:

  • التحدي التقني: ضعف البنية التحتية الرقمية في بعض المناطق العربية.
  • التحدي الثقافي: مقاومة بعض الأسر لفكرة التعامل المالي الرقمي للأطفال.
  • التحدي الشرعي: الحاجة إلى إشراف هيئات رقابية شرعية على هذه التطبيقات لضمان توافقها مع أحكام الشريعة.
  • التحدي الأمني: ضرورة تأمين البيانات المالية للأطفال وحمايتها من الاختراق.

التحول الرقمي ليس عدواً للقيم، بل أرضية خصبة يمكن أن تُزرع فيها أقوى المبادئ، بدمج الحكمة المالية الإسلامية مع إمكانات التكنولوجيا الحديثة، لا نصنع فقط أطفالاً يحسنون إدارة أموالهم، بل نربي جيلاً يفهم أن المال وسيلة للعمران في الأرض، واختبار للاستخلاف، وأداة للبر والتقوى.

من حصالة المصروف التي علمتنا الصبر، إلى تطبيقات «الفينتك» التي تعلمنا المسؤولية، تبقى الرسالة واحدة: بناء إنسان متوازن، يعرف كيف يجمع، وكيف ينفق، وكيف يعطي، جيل جديد يحمل في إحدى يديه هاتفاً ذكياً مليئاً بالتطبيقات المالية، وفي اليد الأخرى قلباً مفعماً بالقيم والأخلاق.

إن الاستثمار في الوعي المالي المبكر لأطفالنا اليوم ليس استثماراً في مستقبلهم المالي فحسب، بل استثمار في بناء مجتمع أكثر عدلاً واستقراراً وأخلاقاً، مجتمع يعيد تعريف النجاح المالي ليس بالثراء الفاحش، بل بالكسب الحلال، والإنفاق الحكيم، والعطاء السخي.


اقرأ أيضاً:

علِّمي طفلك الترشيد بـ6 خطوات

علِّم أولادك مهارات التعامل مع المال

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة