هل تنجح السعودية وتركيا وباكستان ومصر في تشكيل «تحالف» يصبح قطباً إقليمياً؟
في وقت تحاول
فيه «إسرائيل» فرض سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط وإعادة تشكيل موازين القوى فيها
بما يضمن توسيع النفوذ الصهيوني، وتُظهر الحروب المستمرة في المنطقة، وآخرها ضد
إيران، عدم فاعلية التحالفات مع الغرب في ضمان الاستقرار أو تحقيق التوازن.
وفي هذا السياق
المأزوم، تبرز التكهنات حول إمكان تشكل نواة تحالف أو محور عربي-إسلامي يضم
السعودية وتركيا ومصر وباكستان بوصفها فرصة محتملة لإعادة بناء توازن إقليمي أكثر
استقلالًا وضوء في نهاية نفق عدم استقرار المنطقة.
القصة بدأت
بتأكيد تقارير غربية وجود مشاورات بين السعودية وتركيا ومصر وباكستان لدراسة تشكيل
تحالف أمني رباعي، وأن محادثات عُقدت في الرياض لبحث إطار هذا التعاون بهدف لتعزيز
التنسيق الدفاعي ومواجهة التحديات الإقليمية، وفق موقع «ميدل إيست آي» البريطاني،
في 22 مارس الماضي.
وقال الموقع: إن
هدف هذه المشاورات تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق في مواجهة التهديدات
العابرة للحدود، والتعاون في الصناعات الدفاعية، إضافة إلى إنشاء آليات تشاور
سياسية مستمرة بين الأطراف.
لكن هذه
المعطيات المعلنة لا توحي بأن المبادرة تتجه نحو إنشاء تحالف دفاعي ملزم على النمط
التقليدي، بقدر ما تعكس توجهًا لتأسيس إطار تعاون مرن يركز على تنسيق السياسات
وتعزيز القدرات الذاتية للدول الأربع، في مواجهة تصاعد التحديات الأمنية في
الإقليم.
وظهر هذا في ضوء
تحرك الدول الأربع بشكل جماعي في ملفات حساسة مثل التنسيق المشترك لاحتواء التصعيد
مع إيران، وبناء ترتيبات أمنية إقليمية، بعد التطورات الأخيرة، حسبما نقلت وكالة «رويترز»،
في 18 أبريل الجاري، عن وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي.
وقالت الوكالة:
إن مصر وتركيا وباكستان والسعودية تنسق جهوداً إقليمية أوسع تركز على منع التصعيد
المتجدد ووضع الأسس لترتيب أمني لما بعد الحرب، مؤكدة أهمية حماية دول الخليج
وتحقيق استقرار أسواق الطاقة وسلاسل التوريد والأمن الغذائي.
وتعود جذور هذا
التوجه إلى القمة التي جمعت 57 دولة إسلامية من بينها 22 دولة عربية في الرياض، في
نوفمبر 2023م، لصياغة موقف عربي-إسلامي موحد تجاه العدوان على غزة، ففي أعقاب
استضافة الرياض، في 18 مارس 2026م، اجتماعًا ضم 12 وزير خارجية من دول عربية
وإسلامية، ناقش وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان خلال الاجتماع اتفاقًا
لإنشاء منصة أمنية جديدة للتعامل مع التحديات الإقليمية ولتعزيز التعاون بين
الصناعات الدفاعية.
أهمية التحالف
وفق تقديرات
عربية وأجنبية، يُعد هذا التحالف مهماً، ويعبر عن تكامل إستراتيجي نادر، لأن كل
دولة من الدول الأربع تقدم عنصر قوة مختلفاً؛ فالسعودية لديها ثقل مالي وسياسي
عالمي، وتركيا تمتلك صناعة عسكرية متطورة وخبرة ميدانية، وباكستان قوة نووية وجيش
كبير، ومصر لديها موقع جيوسياسي محوري (قناة السويس وأكبر جيش عربي)؛ لذا فالتكامل
بينها قد يشكل كتلة قوة غير مسبوقة.
وذلك حسبما يؤكد
جورجيو كافيرو، الأستاذ بجامعة جورج تاون الباحث في مركز أبحاث «مشروع الأمن
الأمريكي»، في تحليل نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأمريكية في 28 يناير 2026م.
أيضاً يمتد هذا
التحالف عبر نطاقات جيوستراتيجية حيوية، إذ تمثل السعودية محور الشرق الأوسط
والبحر الأحمر والخليج العربي، وتشكل تركيا جسر الربط بين آسيا وأوروبا، وباكستان
حلقة الوصل بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا وآسيا الوسطى.
وتمثل مصر حالة
خاصة في هذا المحور، نظرًا لما تمتلكه من ثقل جيوسياسي، وموقع إستراتيجي فريد يربط
بين شرق المتوسط والبحر الأحمر وأفريقيا، إلى جانب امتلاكها أحد أهم الممرات
الملاحية العالمية وهو قناة السويس، وأكبر جيش في المنطقة.
ويمنح هذا
الامتداد الواسع والتشابك الجغرافي التحالف الرباعي قدرة على المراقبة والتأثير في
مسارات وممرات إستراتيجية بالغة الحساسية، مثل مضيق هرمز، والبحر الأحمر، وشرق
المتوسط، وصولًا إلى حدود الهند وباكستان.
أما أهمية هذا
التحالف والدوافع المشتركة فترجع لعدة أسباب من بينها أن الدول الأربع تتحرك تحت
ضغط عوامل مشتركة خصوصًا الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» الإيرانية، والعدوان
الإيراني على دول الخليج، وما سببه من أضرار لمصالحهم، وتراجع الثقة في الضمانات
الأمريكية، والخوف من التوسع الإيراني، كما أنه بات مهماً لبعضها للاستجابة للفراغ
الإستراتيجي الذي تسببت فيه الحرب في المنطقة.
وقد أشار لتكامل
مزايا الدول الأربع، وزير الإعلام الباكستاني الأسبق، مشاهد حسين، وأكد أن الظروف
الراهنة تفتح المجال أمام بلورة هذا التوجه، والمنطقة باتت أكثر إدراكًا لضرورة
بناء منظومة أمنية ذاتية تستند إلى قدراتها الداخلية.
عقبات ونقاط ضعف
بحسب تقديرات
مختلفة، هناك نقاط ضعف قد تعرقل فاعلية هذا التحالف رغم رغبة الدول الأربع في
تشكيله لأنه يحقق مصالح الجميع، منها تضارب المصالح؛ فتركيا لها أجندة إقليمية
مستقلة (سورية – ليبيا)، ومصر تختلف معها في ملفات عديدة، أيضاً باكستان مرتبطة
بحسابات خاصة مع عدوها التقليدي الهند، والسعودية تتحرك بحذر لتوازن علاقاتها مع
الجميع.
في 17 سبتمبر
2025م، تم توقيع اتفاقية الدفاع الإستراتيجي بين السعودية وباكستان، وتنص على
اعتبار أي اعتداء على أحدهما يُعد هجومًا ضد الطرفين؛ ما اعتبر تأسيسًا لبنية
دفاعية أكثر صلابة من مجرد تعاون عسكري ثنائي تقليدي.
وصرح وزير
الدفاع الباكستاني بأن هذا الاتفاق مفتوح لانضمام دول أخرى، وأن الدفاع عن النفس
حق أصيل لكل دولة.
من نقاط ضعف هذا
التحالف الرباعي أيضاً غياب قيادة موحدة له أو صعوبة التوصل لاتفاق حول قائد واضح
للتحالف أو رؤية إستراتيجية موحدة، عكس تحالفات ناجحة مثل التحالف الغربي (الناتو)
مثلًا.
هناك أيضاً نقطة
اختلاف في النظم والاتجاهات، فالتحالف يضم أنظمة سياسية مختلفة، ولكل دولة أولويات
داخلية متباينة، فضلًا عن الحساسيات التاريخية القديمة مثل بعض الدول مثل مصر
وتركيا.
لكن خبراء يرون
أن هذا لا يعرقل التحالف وأهدافه؛ لأن الهدف ليس تحالفاً بالمعني الدولي المعروف
وقيادة ومشروع موحد، وإنما إطار موحد للتعاون، أو تحالف مصالح مؤقتة، أكثر منه
مشروع دائم، أو محور تنسيق مرن (تعاون في الأزمات وتنسيق سياسي دون التزامات
دفاعية كاملة) وليس تحالفًا صلبًا.
هل يتحول لقطب إقليمي؟
يتوقف الحديث عن
إمكانية النجاح في تحويل هذا التحالف الرباعي لقطب إقليمي مؤثر يُجهض المخططات
«الإسرائيلية» للهيمنة على المنطقة ويقدم دعمًا وسندًا سياسيًا وأمنيًا للدول
الأربع على عدة أمور.
محللون يرون أن
سيناريو النجاح قد يتحقق ويصبح التحالف قطباً إقليمياً قوياً مؤثراً إذا تم تحويل
التنسيق بين الدول الأربع إلى تحالف دفاعي رسمي وتوسيع التعاون العسكري والصناعي،
وبناء مؤسسات مشتركة (قيادة، تمويل، تخطيط).
يعتبرون توافر
هذه المكونات سيؤدي إلى نشوء قطب عربي/ إسلامي/إقليمي موازن لـ«إسرائيل»، وإيران،
وأن هذا المشروع يملك كل مقومات القوة، لكنه يفتقد أهم عنصر وهو الانسجام الإستراتيجي؛
ما يجعل هذا التحالف لم يصل بعد إلى مستوى قطب إقليمي مستقر، ولكننا أمام بداية
محور إقليمي –لا تحالف- محتمل تتطلبه ظروف المنطقة.
ويحمل هذا
التحالف دلالات سياسية وإستراتيجية ورسائل مهمة للعالم تتجاوز الأبعاد العسكرية،
فهو بمثابة رسالة ردع جماعي لإعادة ضبط توازن القوى في المنطقة، ورسالة استقلال
تعبر بها هذه الدول عن القرار الإستراتيجي، يعززها أيضاً استقلالها (لو تكاملت)
المالي والعسكري والسياسي بما يتوافق مع أولوياتها الدفاعية ومصالحها الوطنية.
ومحاولة لإعادة
ضبط معادلات القوة السائدة في المنطقة منذ عقود، وينقل إشارات مباشرة إلى القوى
المنافسة مفادها امتلاك قدرة متنامية على حماية المصالح الحيوية للدول أعضاء
التحالف والتأثير المباشر في مسارات الصراع الإقليمي.
كما يحمل دلالة إستراتيجية
مهمة؛ وهي إعادة هندسة التوازنات الإقليمية، فلو تم الترتيب الدفاعي بين هذه القوى
الأربع فسوف يجمع بين قوة مالية وسياسية مؤثرة، وقدرات نووية رادعة، وترسانة
عسكرية متقدمة، وكذلك مستقبل صناعات عسكرية وطنية واعد.
قلق صهيوني
وقد أقلق هذا
التحالف الرباعي المحتمل بالطبع «إسرائيل» التي تخطط للهيمنة على المنطقة بعد
حروبها في غزة ولبنان واليمن وإيران، لأن هذا التحالف يتعارض مع خططها للهيمنة،
واعتبرت أن مجرد التفكير في تشكل هذا المحور السياسي الأمني خطر عليها، حسبما
أشارت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، في 25 مارس.
الصحيفة العبرية
أوضحت أن «إسرائيل» تشعر بالقلق إزاء هذا التحالف بين هذه الدول الأربع، وتعتبر أن
الخطر الرئيس لهذا التحالف في أنه سيؤدي إلى عزلتها إقليمياً، وأي تحالف إقليمي
جديد يُثير قلق «إسرائيل» عموماً.
وسبق أن أصدر
معهد الأمن القومي «الإسرائيلي» دراسة تشير إلى أن تحسن العلاقات بين تركيا ومصر
والسعودية قد يؤدي إلى إعادة تشكيل توازنات إقليمية لا تصب بالضرورة في مصلحة
«إسرائيل»، ولخص دلائل القلق «الإسرائيلية» في أن الدول الأربع، إذا نسقت
سياساتها، فسوف تمتلك عناصر قوة متكاملة؛ من ثقل اقتصادي وتمويلي، وقدرات عسكرية
كبيرة، وموقع جغرافي حاكم للممرات الحيوية، إضافة إلى عنصر الردع النووي
الباكستاني.
ويخشون أيضًا من
إعادة تعريف ميزان الردع، أن الدولة الصهيونية تمتلك تاريخيًا من التفوق العسكري
النوعي –خاصة الجوي- وتحالف وثيق مع الولايات المتحدة، وأي تنسيق بين الدول
الأربع، حتى دون إعلان تحالف دفاعي رسمي، يفرض قيودًا جديدة على خيارات الاحتلال
العسكرية في المنطقة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً