هل حققنا الرفاهية أم الشقاء؟ مراجعة تحليلية لكتاب باسكال بروكنر

هل حققنا الرفاهية أم الشقاء؟ مراجعة تحليلية لكتاب باسكال بروكنر

بطاقة الكتاب

اسم الكتاب: بؤس الرفاهية.

المؤلف: باسكال بروكنر.

القراءة والتحليل

خيار العفريت.. الثروة مقابل الاستقرار

يقول المؤلف: لنتخيل أن عفريتاً خارقاً ظهر منذ عشرات السنين في سماء الولايات المتحدة لوضع البلاد أمام خيار صعب؛ إما أن تحتفظوا بوضعكم الاقتصادي الحالي وتستمروا على السير على المنوال نفسه، وإما أن أقترح عليكم أمراً آخر!

في مطلع القرن القادم، سيكون بعضكم أغنياء غنى فاحشاً، وستزداد القوة الشرائية للأغلبية وسيتضخم الاقتصاد، ولكن ليس ذلك كل شيء (يهتز العفريت مقهقهاً)، أما الجانب الثاني من الأمر الذي أعرضه عليكم فهو: ستختفي الوظيفة المستقرة، وتغدو الدخول غير منتظمة، ستتزايد الفوارق ويتفكك المجتمع، ستعملون كثيراً، ويتناقص وقتكم لباقي شؤون الحياة.. عليكم أن تختاروا.

وهم الانتصار الرأسمالي

ثم يقول المؤلف: غداة انهيار جدار برلين، ظهر في صحيفة «إنترناشونال هيرالد تريبيون» رسم مثير؛ عبارة عن مصرفيين يرتديان معطفاً كثيفاً يناديان شحاذاً غارقاً في الثلج ويصرخان: لقد انتصرنا.

إنه تعبير مختصر عن سوء الفهم الذي طبع هذه الأعوام، فلقد برزت الرأسمالية للعالم بالفعل بعد عام 1989م في ملامح المنتصر الزائف، فبالإضافة إلى نشرها لحقوق الإنسان، غدا بمقدورها -في غياب خصوم جادين- تعميم مزاياها إلى كل مكان، وتأهيل المعمورة إلى مستوى حضاري لا مثيل له.

كان لا بد أن نقلع بسرعة عن غرورنا؛ فلم يخفق اقتصاد السوق في الوفاء بوعوده فحسب، تاركاً على قارعة الطريق مئات الملايين من البشر، وإنما بدا مجرد ماكينة إنتاج للثروة دون أي غائية أخرى سوى مزيد من الثروة أيضاً.

اتساع الفجوة والفقر العالمي

ويؤكد المؤلف حقيقة أنه لم تصل بالفعل يوماً الفوارق (الاقتصادية) إلى هذا الحد من الاتساع على خلفية ترف مثير، إذ نعرف الأرقام القاسية المبتذلة (حتى ولو كان بإمكان بعضهم التشكيك فيها).

فعلى الرغم من نمو مرتفع لاقتصاديات البلدان النامية، فإنه يعيش حالياً 20% من سكان الأرض البالغ عددهم 8 مليارات بأقل من دولار واحد في اليوم، كما يعاني كل طفل من بين 4 أطفال في الجنوب من سوء التغذية.

وإذا كانت التطورات التقنية قد أسهمت في القضاء على المجاعة، والتغلب على أهم الأمراض، وكانت سبباً في إطالة عمر الإنسان، وإذا كان الفقر قد تراجع خلال السنوات الخمسين الأخيرة من القرن الماضي أكثر من تراجعه خلال الخمسمائة بل قل الخمسة آلاف سنة الماضية، ومع ذلك، فإن الدخل المتوسط للفرد في أفريقيا قد انهار منذ الستينيات.

عودة الرأسمالية الشرسة

إن الأمر يتعلق بعودة الرأسمالية الشرسة، التي لا ترحم من لا تحتاج إليهم، التي تكثر من الوظائف التي لا تتطلب تكويناً ولا تدر سوى دخل محدود، فهو نظام وصل حداً من الفظاعة لا يمكن معه انتظار مستقبل أفضل.

لقد عادت فوارق الدخول بين الأغنياء والفقراء، ففي حين أن الحداثة من حيث المبدأ لا تحكم على أحد بالبقاء في وضعه الأصلي ولا تعترف مطلقاً بحواجز الطبقة والجنس والعرق والمولد، فإن جدار المال يعيد بالضرورة إنشاء حواجز طبقية مغلقة.

أباطرة المال ونخبة «الواليتش»

يقول المؤلف: رحمة بأباطرة المال: يفرضون أنفسهم ملوكاً لزماننا، يسخرون من القوانين العادية، يتمتعون بسلطة وجاه لا حدود لهما، يتأقلمون مع كل الأنظمة ما دام بإمكانهم العيش حسب هواهم.

فسواء كان نشاطهم في تجارة الصورة أو الرياضة أو المال، يشكلون نخبة لا وطن لها تتحدث باللغة الكونية الجديدة «الواليتش»؛ أي إنجليزية وول ستريت، وتسكن مملكة الترف والترفيه الساحرة.

رفاهية فردية فوق حدود التصور، تتجاور مع إملاق محزن أو مرافق عمومية يرثى لها، كما هو الشأن في بعض الدول، فنظرية الفتات تفسر كيف تتساقط قطع الذهب من طاولة الأثرياء وتسهم بلا مراء في تحسين وضع المعدمين بصفة غير مباشرة.

انهيار العقد الاجتماعي

هنا يذكر المؤلف: يتساءل بعضهم معترضاً: ما الضير في ذلك؟ فما المشكل في زيادة الهوة بين الأغنياء والفقراء ما دامت دخول الفقراء تزداد باطراد؟

علينا أن نرد بسؤال آخر: لماذا يجب أن يترجم دوماً الغنى العام بمزيد من انعدام المساواة؟ لأنه منذ الثلاثين سنة المجيدة التي ولدت الأمل لدى الجميع في الإقلاع السريع، تقلص استعداد الناس لقبول الفوارق الاجتماعية، فالمقارنة المتواصلة بين الأمم والشعوب والفئات تجعل كل شيء معلوماً مباشرة، وتجعل الفوارق غير مقبولة.

لقد ازدادت فظاعة الشعور بالغبن والتفاوت، فلماذا نتواطأ إذا كنا لا نجني أي فائدة؟ فما تم إنجازه جعل ما فقدناه أو ما سنفعله أكثر شناعة، فدون فرصة الترقية، لا ديمقراطية ولا سلماً اجتماعياً، فإذا كانت البرجوازية تخشى الانحدار إلى مستوى الطبقة العاملة، وكانت الطبقة الوسطى تتوجس الهبوط، فإن العقد الاجتماعي قد تحطم برمته.

عدالة الفقر والغنى

ختاماً يقول المؤلف: وفي نهاية المطاف، إذا سلمنا أن الأغنياء يستحقون ثرواتهم وأن غرورهم مبرر بعبقريتهم الخاصة، فهل نستنتج من ذلك أن الفقراء يستحقون إملاقهم؟ وأن من يحصل على دخل أقل من 1500 يورو في الشهر ليس سوى أحد العاجزين أو المتخلفين أو القاصرين.

اقرأ أيضاً:

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة