هل فعلاً ليس لدينا وقت؟!
كثيرًا ما تقرع
مسامعنا جملة «ليس لديَّ وقت» أو «أنا مشغول»، ويكأن كل أحد نعرفه صار يسبح في بحر
من الأشغال لا ساحل له! وما أروم مناقشته في ثنايا هذا المقال هو مدى صدق هذه
الدعوى، ولماذا ندعيها بالأساس إذا لم نكن مشغولين حقًا!
الانشغال بالانشغال
يقول المتنبي:
فَرْبَّ كنيبٍ
ليس تَندى جُفونُهُ وربَّ كثيرِ
الدَّمعِ غيرُ كثيبِ
ومعنى البيت أنه
ليس كل من بكى هو المحزون حقًا، فكم من محزون لا دموع له! ما يوضح لنا ماهية
الانخداع بالمظاهر، وأن الإنسان بسهولة قد يقع فريسة تصوراته المبدئية وانحيازاته
المعرفية، ومن هذه الانحيازات التي صارت ملازمة لعصرنا هي ربطنا للانشغال
بالأهمية، فكلما حظي الإنسان بوقت أقل؛ زاد ترقيه في سلم الأهمية الاجتماعية.
رغم أنه لا يلزم
من هذا ذاك بالضرورة، ولكن بهذا جرى لسان الحال، وبهذا تحولت تدريجيًا جملة «ليس
لدي وقت» من مجرد كونها توصيفًا للحال إلى كونها تصنيفًا لحالة اجتماعية ينشدها
المرء، وتحولت «عذرًا، أنا مشغول» من مجرد حجة يلوكها المرء ليتهرب بها من
المناسبات والدعوات، إلى شهادة كأنه بحيازتها نال أعلى الدرجات، خصوصًا مع المكانة
التي تموضعت بها الوظيفة في حياتنا، بحيث صار العمل يُنظر إليه بوصفه هوية وركيزة
تنبني عليها وحولها ذات الشخص وأهميته في المجتمع، والتمثّل بالانشغال يعزز ذلك،
كما يعزز ترقيه في تلك الوظيفة.
انشغال أكثر إنتاجية أقل
في مرحلة
الإنتاج الإنساني نعرج على 3 محطات رئيسة؛ الزراعية والصناعية والوظيفية، ففي
الأوليين هناك إنتاج مستهدف ومعلوم، وأسباب واضحة من ناحية ما ينبغي على المرء
القيام به، وكم من الوقت سيستغرقه، وحدود طبيعية لهذا الإنتاج، فبالنسبة للزراعة
فالمزارع محدود بمساحة الأرض التي يزرعها، وبالنسبة للعامل في المصنع فهو محدود
بالمواد الخام وقدرة الآلات على التصنيع في ذلك الوقت.
أما بالنسبة
للوظيفة، فهي وإن كان وقتها محددًا، فإن مسؤولياتها فضفاضة، ورغم أن وقت العمل
يبدو متثاقل الخطى ونحن فيه، فإننا نجده يقصر عن المهام المخولة لنا فيه، تلك
المهام التي لا تلبث تنجز واحدة حتى تظهر مكانها أخريات إلى ما لا نهاية، وفي
أحايين كثيرة يجد المرء نفسه مصطحبًا عمله لمنزله وربما في أيام إجازته، فما هي
بالضبط طبيعة ذلك العمل الذي لا ينتهي! وهل توجد مؤشرات تقيس طبيعة المهام وعددها
كما تقيس كفاءة الموظف في تأديتها!
ووظيفة المقال
ليست الإجابة عن هذه الأسئلة بقدر ما هي تسليط الضوء على هذه الحالة الهميونية من
الانشغال الدائم بما لا نستطيع التعبير عنه بكلمات واضحة صريحة، ورغم أن «المشغول
لا يُشغل»، فإننا نجد دومًا سبيلًا للمزيد من العمل الذي لا يبدو أنه يشرف على
النهاية عما قريب، بالإضافة إلى كون هذه المؤشرات تقيس عدد ساعات العمل
والاجتماعات لا نتائجها، وكون جودة أداء الموظف تُقاس بسرعة استجابته، ومدى
إتاحته، لا بجودة هذه الاستجابة وبالعمل المنجز، وينبني على ذلك أن صورة الانشغال
تُكافئ بغض النظر عن حقيقته، كما أشرنا إلى ذلك آنفًا في بداية المقال.
التكنولوجيا لنا أم علينا
نحسب أن
الأقدمين ربما يحسدوننا على سرعة وصول مراسلاتنا، التي ربما لو قص على أحدهم أن
الرسالة التي ترسل من أقصى الشرق تصل أقصى الغرب في ذات اللحظة ربما حسب ذلك نوعًا
من السحر أو بدعًا من الخيال، وها نحن هنا، ولكن وجب علينا أن نتساءل، كما
الغربيين: حسنًا، ولكن ما الثمن؟ والحقيقة أنهم لا يقصدون بذلك دومًا الثمن
النقدي، بقدر ما يقصدون التكلفة الكلية.
وفي حالتنا هذه
كانت التكلفة باهظة، فسرعة الوصول أدت إلى سهولة التواصل مما أثر على جودته
بالتبعية، فمن المؤكد أن من يعلم أن رسالته قد تصل بعد ستة أشهر لا يستوي هو ومن
يعلم أنها ستصل بمجرد أن ينقر على زر الإرسال، وليس هذا دعوة للرجوع إلى عصر ما
قبل الإنترنت أو نفض الغبار عن الآلة الكاتبة، وإنما هو دعوة للتأمل في الطريقة
التي نؤدي بها وظائفنا، خصوصًا ذلك الوهم المسمى بـ«تعدد المهام» (Multitasking)!
ووصفنا له
بالوهم نابع عن عدد لا يحصى من الدراسات أثبتت استحالته عمليًا، وأن الإنسان لا
يقدر على الانشغال بأكثر من أمر في الوقت نفسه، وأنه حتى لو سولت له نفسه فعل ذلك
فإنه ولا بد مؤد لأحد الأمرين بجودة أقل مما لو أداه مستقلًا، وأن انتقالنا من
مهمة لأخرى كما ننتقل بين خانات المتصفح لا يقلل فحسب من قدرتنا على تحديد
المعلومات غير المتعلقة بسياق ما نقوم به كما أشارت لذلك جامعة «ستانفورد»، بل
والأدهى من ذلك انخفاض مستوى ذكائنا بواقع 15 درجة في البحث الذي أجرته جامعة لندن
على أكثر من ألف شخص.
نضف إلى ذلك زيادة
معدلات القلق والتوتر لدينا في الدراسة التي أجرتها جامعة ساسكس، وعلى هذا فالقائل
بجدوى تعدد المهام لا حجة له في قوله إلا أنه صادف هوى في نفسه، وهوى في نفس
الشركات التي تعتبر الانشغال أهم من الشغل.
ومرادنا في هذا
المقال أن نقول: إنه ليس مذمومًا أن يكون الإنسان مشغولًا، بل الانشغال بالنافع
ممدوح عند الأولين والآخرين، فقد جاء في الأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إني
لأكره أن أرى الرجل سبهللًا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة»، وجاء مطابقًا له في
معنى، ومغايرًا له لفظًا عن عبد الله بن مسعود قوله: «إني لأمقت الرجل أراه فارغًا
ليس في شيء من عمل دنيا أو آخرة»، ولكن المذموم هو الانشغال قولًا، وتوهم الانشغال
فعلًا، وعدم الانشغال حقيقة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً