معبد الإلحاد يهتز (27)

هل قصة الهدهد والنملة خرافة؟!

هل قصة الهدهد والنملة خرافة؟!

منذ قرون طويلة يحاول الملحدون الطعن في القصص القرآني بزعم أنه يناقض العقل والعلم، غير أن المدهش أن كثيرًا من هذه الشبهات لا تقوم على قراءة حقيقية للقرآن الكريم، بل على تصورات سطحية يفرضها الملحد على القرآن الكريم ثم يبدأ في مهاجمة ما افترضه بنفسه.

ومن أشهر هذه الاعتراضات ما يثار حول قصة الهدهد مع نبي الله سليمان عليه السلام، وكذلك حديث النملة في سورة النمل.

نص الشبهة

«كيف يتكلم الهدهد مع سليمان؟ وكيف تفهم النملة خطر جيش سليمان؟ وهل يمتلك الهدهد عقلًا يستوعب قصة بلقيس وعرشها وعبادة قومها للشمس؟ أليست هذه خرافات تناقض العلم والعقل؛ لأن الطيور والحشرات لا تعقل كالبشر ولا تتحدث بلغتهم؟».

الرد على الشبهة

والشبهة مبنية منذ بدايتها على افتراض خاطئ؛ فالقرآن الكريم لم يقل أصلًا إن الحيوانات تمتلك عقلًا بشريًا كاملًا، ولم يقل إنها تتحدث لغة البشر كما يتحدث الإنسان، وإنما قرر أمرين فقط:

الأول: أن للحيوانات وسائل إدراك وتواصل تناسب طبيعتها.

والثاني: أنَّ الله عز وجل منح نبيه سليمان عليه السلام قدرة خاصة على فهم هذا التواصل.

قال الله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (النمل: 16).

والتعبير القرآني هنا بالغ الدقة والإعجاز؛ فالآية الكريمة لم تقل: «عُلِّمنا لغة الطير»، بل قالت: «منطق الطير».

وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن اللغة البشرية تتضمن تراكيب نحوية مجردة ومفاهيم عقلية واسعة، بينما المنطق أوسع من مجرد اللغة؛ فهو يشمل الإشارات والأصوات والحركات والرموز وأنماط نقل المعلومات المختلفة.

ولو كان القرآن الكريم ينسب للحيوانات عقلًا بشريًا كاملًا لقال: «لغة الطير»، لكنه استخدم لفظًا أدق وأوسع، وهو «منطق الطير».

ومن المثير للتأمل أن القرآن الكريم لم يصف هذه القدرة على أنها أمر طبيعي عام عند البشر، بل نسبها إلى معجزة خاصة بسليمان عليه السلام: (عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ). فلو كان النص أسطوريًا يحاول إضفاء صفات بشرية على الحيوانات لجعل الجميع يفهمها، لكنه جعل القدرة استثنائية مرتبطة بنبي مؤيد بالوحي.. وهذا من الدقة؛ لأن النص لم يلغِ الفارق بين الإنسان والحيوان، بل قرر وجود وسيلة تواصل خاصة ثم وجود قدرة خاصة على فهمها.

وهنا تظهر مفارقة مثيرة؛ فالعلم الحديث نفسه لم يعد ينكر أن عالم الحيوان مليء بأنظمة تواصل شديدة التعقيد.

فاليوم ثبت أن، النمل يتواصل عبر شبكات كيميائية معقدة من الفيرومونات، والنحل ينقل معلومات دقيقة عن الاتجاهات والمسافات من خلال الرقص، والحيتان تتبادل نداءات معقدة عبر مسافات هائلة، والدلافين تمتلك إشارات صوتية مميزة تشبه الأسماء الفردية، والغربان تستطيع التعرف على الوجوه البشرية وتخزينها في الذاكرة لسنوات، وبعض الطيور تهاجر آلاف الكيلومترات وفق أنظمة ملاحية مدهشة، والشمبانزي يتعلم الرموز والإشارات ويستخدم الأدوات لحل المشكلات.

بل إن علماء الأحياء العصبية يتحدثون اليوم عن صور من الذكاء الجمعي والإدراك الاجتماعي لدى كثير من المخلوقات.

فإذا كان العلم الحديث نفسه يثبت أن للحيوانات وسائل تواصل معقدة، فأين وجه الاستحالة في قول القرآن الكريم: «عُلِّمنا منطق الطير»؟

بل إن الاعتراض هنا يقع في مغالطة معروفة تسمى الاستبعاد بسبب الجهل؛ فالإنسان لا يملك أن يقول: «أنا لا أعرف كيف يحدث هذا، إذن هو مستحيل».

وقبل قرنين فقط لو أخبرت الناس أن طيورًا تحدد مسارات هجرتها اعتمادًا على المجال المغناطيسي للأرض لاتُّهمت بالخرافة، واليوم أصبح ذلك حقيقة علمية معروفة.

إذن غياب المعرفة ليس دليلًا على الاستحالة.

ثم يقول الله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (النمل: 18).

وقد استوقف هذا التعبير كثيرًا من الباحثين؛ فالقرآن الكريم لم يستخدم تعبيرًا عامًا كـ«لا يقتلنكم»، بل استخدم لفظ «لا يحطمنكم».

وهذا تعبير لافت ومتوافق مع ما كشفه علم الحشرات الحديث؛ فجسم النملة مغطى بهيكل خارجي صلب مكوَّن من مادة الكيتين، وعند تعرضه لضغط شديد يمكن أن يتعرض للكسر والتحطم.

والأهم من ذلك أن سلوك النمل نفسه قائم على أنظمة إنذار جماعي وتنظيم دقيق للمجتمع وتوزيع للأدوار والدفاع عن المستعمرة وإطلاق إشارات خطر فورية.

حتى إن بعض العلماء يشبهون مستعمرات النمل بمدن حية شديدة التنظيم.

فهل وصف القرآن الكريم شيئًا خرافيًا؟ أم وصف سلوكًا معروفًا بصورة مدهشة قبل نشوء علم الحشرات الحديث بقرون طويلة؟

أما ما يثار حول الهدهد، فالسؤال نفسه مبني على مغالطة.

فالهدهد لم يناقش فلسفة الحكم، ولم يؤلف كتابًا في العلوم السياسية، بل نقل ملاحظات حسية مباشرة: (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ {23} وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ) (النمل).

فهو رصد وقائع مباشرة: قوم، وملكة، وعرش، وسلوك تعبدي ينافي وحدانية الله عزَّ وجل.

وهناك جانب آخر يغفله كثير من الملحدين؛ فالقرآن الكريم لم يقل إن الهدهد حلّل أوضاع سبأ تحليلًا فلسفيًا، بل نقل ما رآه مباشرة. وحتى البشر أنفسهم يصفون مشاهداتهم اليومية دون أن يكونوا متخصصين في العلوم السياسية أو علم الاجتماع. فالإنسان قد يقول: «وجدت دولة يحكمها ملك، وشعبًا يقوم بطقوس معينة»، وهو مجرد وصف للملاحظة لا دراسة أكاديمية لها. وكذلك كان خبر الهدهد.

وهذا النوع من الإدراك الوظيفي موجود بدرجات مختلفة عند كثير من الحيوانات.

بل إن الطائرات الحديثة نفسها ترصد وتحدد وتتعرف على أهداف دون أن تمتلك عقلًا بشريًا.

فلماذا يصبح الأمر مستحيلًا فقط عندما يرد في القرآن الكريم؟!

ثم إن القصة أصلًا جاءت في سياق معجزة نبوية؛ فسليمان عليه السلام سخرت له الرياح، وسخرت له الجن، وعُلِّم منطق الطير.

فإذا كان أصل المعجزة مقبولًا، فإن الاعتراض على تفاصيلها لأنها خارجة عن المألوف يصبح اعتراضًا غير متماسك.

وهنا تظهر نقطة أخرى مهمة:

الملحد أمام ثلاثة احتمالات:

1- أن الحيوان لا يمتلك أي صورة من صور الإدراك والتواصل، وهذا باطل علميًا.

2- أن الحيوان يمتلك إدراكًا محدودًا يناسب طبيعته، وهذا ما يقرره العلم والقرآن معًا.

3- أن الحيوان يمتلك عقلًا بشريًا كاملًا، والقرآن الكريم لم يقل بهذا أصلًا.

إذن فالاعتراض كله يناقش احتمالًا لم يطرحه القرآن الكريم من البداية.

إن الاعتراض في حقيقته قائم على الخلط بين عدم الاعتياد والاستحالة؛ فالإنسان يستبعد كثيرًا من الأشياء فقط لأنه لم يألفها.. وقد امتلأ تاريخ العلم بأمور كانت تبدو مستحيلة ثم تحولت إلى حقائق ثابتة؛ فعدم تصور الإنسان للشيء لا يجعل الشيء مستحيلًا في نفسه.

ثم إن المشكلة الحقيقية هنا قد تكون نوعًا من مركزية الإنسان؛ فقد اعتاد البشر قديمًا تصور الحيوانات على أنها آلات بيولوجية غبية تتحرك بالغريزة فقط.

لكن العلم الحديث قلب هذه الصورة رأسًا على عقب.

فكلما اتسعت المعرفة العلمية اكتشف الإنسان أن عالم الحيوان أكثر تعقيدًا واتساعًا مما كان يظن.

والأهم من ذلك أن الاستغراب ليس برهانًا؛ فمن يدعي الاستحالة مطالب بإثبات الاستحالة نفسها، أما مجرد القول: «هذا غريب بالنسبة إليَّ» فليس دليلًا علميًا ولا فلسفيًا.

إن قصة الهدهد والنملة ليست موضع سخرية لمن يتأمل بعقل منصف، بل هي نافذة تكشف جانبًا من اتساع أسرار الكون وعظمة الخالق.

فالقرآن الكريم لم يصور الحيوانات ككائنات بشرية تتحدث العربية، وإنما أشار إلى أن لهذا العالم مستويات من الإدراك والتواصل لم يكن الإنسان القديم يعرف عنها إلا القليل.

وجاء العلم الحديث ليكشف شيئًا فشيئًا أن المخلوقات حولنا تعيش في عوالم معقدة من الإشارات والوعي والتنظيم الاجتماعي.

قال الله تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم) (الأنعام: 38)، وقال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء: 85).

فكلما اتسع العلم الحقيقي، انكشفت للإنسان أبعاد جديدة من الدقة والإحكام في القرآن الكريم، وأدرك الإنسان أن جهله بشيء لا يعني استحالته، وأن فوق كل ذي علم عليمًا.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة