معبد الإلحاد يهتز (6)
هل نحن فكرة عابرة في وعي إلهي؟
في زمنٍ تحوَّلت
فيه منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات صاخبة للجدل العقيم، خرج علينا ملحدو العصرالرقمي بأثواب الفلاسفة الجدد، يلوكون شبهات قديمة بثوب عصري، ويقدّمونها على أنها
اكتشافات فكرية تقوِّض الإيمان.
ومن أكثر ما
يروّجونه خلطًا بين الفلسفة والعلم والدين شبهة تزعم أن الكون كله ليس إلا لحظة
عابرة في «وعي إلهي»، وأن الإنسان مجرّد فكرة مؤقتة أراد الله «تجربتها» ثم طوى
صفحتها.
هذه المزاعم -وإن
بدت عند البعض لافتة أو مثيرة- ليست سوى إعادة تدوير لأوهام فكرية سقطت أمام
النصوص القطعية، والمنطق السليم، والحقائق العلمية الراسخة.
هنا، نفكك هذه
الشبهة من جذورها، ونكشف عوارها، ونبيّن كيف أن قصة الخلق أعظم وأبقى من أن تختزل
في لحظة أو تجربة.
نص الشبهة
«الله خلق
الإنسان لأنه لم يكتف بعبادة الملائكة فهم يعبدونه دون حرية ودون اختيار، فأراد
كائناً حراً يعبده بإرادته؛ فخلق الإنسان وحمّله الأمانة وجعل الحياة دار اختبار،
ولكن حين ينتهي هذا الاختبار ويدخل المؤمنون جنات النعيم، والكافرون دار العذاب
تنتهي إرادة الإنسان، ففي الجنة لا عبادة، وفي النار لا اختيار، فقط نعيم أبدي أو
عذاب أبدي، حينها يعود كل شيء إلى ما كان عليه قبل خلق الإنسان، وجود ثابت لا حركة
فيه ولا حرية كما لو أن القصة بدأت لتنتهي.
وبالنسبة لله كل
هذا الزمن لحظة عنده وتعود نقطة البدء كما هي.
فهل الكون كله
كان مجرد لحظة قصيرة في وعي إلهي أبدي؟ وهل نحن كنا فقط فكرة أراد الله أن يجربها؟»
ا.هـ
هذه الشبهة تجمع
بين 3 فرضيات:
1- أن هدف الخلق
كان مؤقتًا.
2- أن الإرادة
الحرة تنتهي وتفقد معناها في الآخرة.
3- أن منظور
الله للزمن يجعل الكون كله مجرد «لحظة» لا قيمة لها.
الرد على الشبهة:
أولًا: الخلط بين المنظور الإلهي والزمن البشري:
الزمن في
إدراكنا خطٌّ يسير من الماضي إلى المستقبل، لكن فيزيائيًّا -كما بيّن أينشتاين في
النظرية النسبية- الزمن مجرد بُعد في نسيج الكون، يتغير حسب السرعة والجاذبية،
ويمكن نظريًا أن يراه المراقب الخارجي كله دفعة واحدة.
الله سبحانه
وتعالى خالق الزمن، فلا يحكمه ماضٍ أو مستقبل، حين نقول: «لحظة عند الله»، فنحن
نصف الأمر من منظور بشري محدود، لا من حقيقة الأبدية الإلهية، كون الله يراه في «آن
واحد» لا يعني أنه بلا قيمة، كما أن -ولله المثل الأعلى- الفيلم الذي يراه المخرج
كاملًا قبل عرضه لا يفقد معناه.
ثانيًا: الظن أن غاية الخلق هي الاختبار وحده:
الاختبار مرحلة
أساسية، لكن ليس الغاية النهائية، الغاية الأسمى -بنص القرآن- هي: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56).
والعبادة فيالإسلام ليست طقوسًا مؤقتة، بل معرفة الله عزّ وجل والتقرب إليه والأُنس به تعالى،
هذه المعرفة تستمر في الآخرة، لكن بصورة أكمل؛ في الجنة تصبح العبادة لذة خالصة
بلا تكليف ولا مشقة، وفي النار يدرك المعذَّبون عظمة الله ولو كان إدراكهم مقرونًا
بالألم.
ثالثًا: إسقاط المفهوم البشري لـ«التجربة» على الخالق سبحانه:
التجربة عند
البشر تعني الجهل بالنتيجة، والله عزَّ وجل عليم أزلي يعلم ما كان وما يكون وما لم
يكن لو كان كيف يكون، وخلق الإنسان ليس «اختبار فكرة»، بل إخراج المعلوم من العلم
الأزلي إلى الوجود الواقعي ليُظهر أثر أسمائه وصفاته.
الغاية من الخلق إظهار الأسماء الإلهية
في عالم
الملائكة، الطاعة المُطْلقة تمنع ظهور معاني الغفور، التواب، الصبور، العفو، الرحيم..
لكن في عالم
الإنسان، حيث الحرية والخطأ والاختيار، تتجلى هذه الأسماء في واقع حي.
إذن، الخلق ليس
لحظة تنتهي، وإنما حدث يُغيّر طبيعة الكون الروحية والمادية إلى الأبد:
- الملائكة بعد
معرفة قصة البشر ليسوا كما قبلها.
- الوجود شهد
أعظم مشهد: اختيار الإنسان أمام دعوة الله.
- نتائج هذا
الاختيار تبقى أبدية.
الحرية.. وسؤال الآخرة
في الجنة، لا
توجد إرادة لاختيار المعصية، لكن ذلك لا يعني زوال الحرية، الحرية في الآخرة تتحول
من حرية الاختيار بين الخير والشر إلى حرية الفعل المطلق في الخير، بلا قيود جسدية
أو نفسية.
في النار،
الحرية باقية من حيث الوعي بالنتيجة، لكن الإرادة مقيدة بعواقب الماضي.
كما في التعليم؛
الامتحان ليس هدف المدرسة، لكنه وسيلة للتأهيل، بعد النجاح لا تستمر في أداء
الامتحانات، بل تمارس مهنتك بحرية أكبر.
بطلان فكرة اللحظة العابرة
أ- منطق الغاية
والنتيجة: أي فعل له نتيجة دائمة لا يوصف بأنه عابر، الامتحان قد يكون ساعتين، لكن
أثره يحدد مصير حياة كاملة، الدنيا قصيرة، لكن نتائجها أبدية.
ب- من الفيزياء:
في كل تفاعل نووي أو كيميائي، النظام الجديد لا يعود أبدًا إلى حالته السابقة
تمامًا، هذا مبدأ في الديناميكا الحرارية (الإنتروبيا)، كذلك، الكون بعد تجربة
الإنسان لا يعود كما كان.
جـ- من علم
النفس: تجربة عاطفية أو فكرية قوية تغيّر هوية الإنسان للأبد، فما بالك بتجربة
الخلق والاختبار الإلهي؟ هذه التجربة غيّرت هوية الملائكة والجن والإنسانية جمعاء.
دحض فكرة الوهم الكوني
بعض الملاحدة
يزعمون أن الكون قد يكون مجرد محاكاة أو وهم، لكن:
- قوانين
الفيزياء متماسكة بدقة لا توحي بالعشوائية.
- الكون مصمم
بما يسمى «الضبط الدقيق» (Fine
Tuning) الذي يسمح
بظهور الحياة.
- هذا الضبط لا
يمكن تفسيره بالصدفة؛ ما يؤكد وجود قصد وغاية، لا فكرة مجرّبة.
تشبيه برمجي يوضّح الفكرة
تخيل مبرمجًا
أنشأ عالمًا افتراضيًا يحوي شخصيات حرة تتفاعل وتختار، بالنسبة للمبرمج القصة كلها
حاضرة في الكود، بالنسبة للشخصيات القصة تتكشف لحظة بلحظة.
الفرق أن الله
لا يجرّب، بل يعلم القصة منذ الأزل، وخلقها لتتحقق في الواقع وتظهر فيها معاني
العدل والرحمة والحكمة.
القيمة الأبدية للحظة الزمنية
القيمة لا تُقاس
بطول الزمن، بل بأثر الحدث، لحظة واحدة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ليلة
الهجرة غيّرت تاريخ العالم، فكيف باختبار الإنسان الذي يترتب عليه مصير أبدي
لمليارات الأرواح؟
القرآن الكريم يحسم المعنى
قال الله تعالى:
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ
عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ {115} فَتَعَالَى اللَّهُ
الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (المؤمنون)، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ {16} لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً
لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء)، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ {38} مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (الدخان).
العبثية التي
تفترضها الشبهة مرفوضة نقلًا وعقلًا، فالعلم المادي يقف عاجزًا أمام تفسير كيف
تتحول الإشارات الكهربائية في الدماغ إلى وعي ذاتي.
هذا الحضور
الداخلي الذي يُسمّي نفسه أنا هو إرادة الله عزَّ وجل، وبرهان على أن الإنسان ليس
مجرّد تفاعلات عمياء، بل روح أودعها الله عزَّ وجل في الجسد؛ (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ
فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (الحجر: 29).
إننا لسنا فكرة
مجرّبة، وإنما جزء من قصة أبدية مقصودة منذ الأزل، نتائجها ممتدة بلا نهاية.
تعالى الله عما
يقولون علوًا كبيرًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً