هل يتعارض حدّ الرِّدة مع حرية الاعتقاد؟!
إن مما يختلف
فيه ديننا الحنيف مع الليبرالية اختلاف تضاد، حرية الاعتقاد، فالليبرالية ترى من
حق الإنسان أن يعتنق ما يشاء من عقائد متى أراد وكيفما يريد، والحق مكفول له أن
يعود عما اعتقد دون أي ملامة أو عقاب.
وإسلامنا لا
يجيز ما أجازته تلك الليبرالية، فهو لم يمنع أحداً أو يجبره على الدخول فيه، بل
يكفل للإنسان حرية الدخول فيه أو البقاء على ملته التي يدينها، فلا إكراه عليه في
ذلك البتة، لكنه أغلق باب الردة عنه وشرع حد القتل لمن ارتد، وتلك منه أثارت
النكير لدى سدنة الليبرالية والعلمانيين وكل من لف لفهم أو نسج على منوالهم،
وطفقوا جميعاً في التشنيع على الإسلام ما شرع ورأوه ثلمة في كفالته للحرية.
والمتأمل في
موقف الليبراليين والعلمانيين لن يطيل النظر حتى يقف على اختلال نظرتهم وحيفهم،
فهم قد شنوا الغارة شعواء على الإسلام دون غيره، مع أنه ما كان سابقاً في ذلك
التشريع، فقد سبقته اليهودية فيه بردح من الزمان طويل، فمن صميم شريعتها أن يقتل
من يرتد عن معبودها إلى غيره من المعابيد، ووردت النصوص في عهدها صريحة في ذلك بلا
مواربة.
ورد في سفر «التثنية»
(13: 6-10): «إذا أغواك أخوك ابن أمك أو ابنك أو ابنتك أو امرأة حضنك أو صديقك
الذي هو مثل نفسك قائلاً نذهب نعبد آلهة أخرى فلا ترض منه ولا تسمع له بل قتلاً
تقتله يدك تكون عليه أولاً لقتله».
ويتكرر القول
بقتل المرتد في ذات السفر (13: 12-15): «إذا سمعت عن إحدى مدنك أن أناساً أشراراً
خرجوا من وسطك وأغووا سكان مدينتهم قائلين نذهب ونعبد آلهة أخرى فاضرب سكان تلك
المدينة بحد السيف».
وفي سفر «اللاويين»
يتكرر الأمر ففيه (24: 16) «ومن جدف على اسم الرب يقتل يرجمه كل الجماعة»، وعلى
هذه النصوص الصريحة من عهد اليهود بقتل المرتد إلا أنهم نأت عنهم ألسنة
الليبراليين والعلمانيين ولم تمسهم بأذى لأسباب غير خافية علينا ولا على غيرنا.
الحكمة من تشريع حد الردة
ويبقى لنا أن
نتحسس مواطن الحكمة من تشريع القتل كحد لمن نكص عن ملة الإسلام، وأنه كان حتماً
لازماً لا خيرة فيه، والحكمة كامنة في حاجة الإنسان لمقدس من الحق يأوي إليه إن
عصفت به أرواح الظنون وتناوشته الشكوك فيلوذ بأمان ذلك الحق ليهدأ روعه وتطمئن
نفسه فلا يبقى رهين آلام الحيرة والقلق.
وليس غير الحق
السماوي كفيلاً للإنسان بذلك، كما أن بني الإنسان في معايشهم يتنازعون فيما بينهم
وتتصادم منهم الرغائب، وهم بذلك في حاجة لمن يفض بينهم تلك المنازعات، يفضها وهم
بحكمه راضون، فيه واثقون، ولن يكون حكم على تلك الشاكلة إلا أن يكون له في القلوب
قداسة، موسوم بتمام العدالة، له النزاهة عن كل هوى، سما عن كل نقيصة، وليس غير
الحق السماوي من يوفي بكل تلك السمات.
ومن هذا وذاك
يُحسم القول: إن الحق المقدس ضرورة نفسية وعقلية واجتماعية، وبغيره لا تستقيم حياة
ولا تهدأ نفس ولا يرتاح عقل، وحتى يحصل المقصود لا بد أن تبقى القداسة للحق
السماوي مصونة بلا عابث، وما من شيء يهدم تلك القداسة مثل حرية الدخول فيه ثم
الانسلاخ منه، وهو عبث خبيث عمدت إليه يهود لضعضعة قداسة الإسلام في قلوب بنيه،
وحكاه عنهم كتاب الله حين قالوا: (آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى
الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ) (آل عمران: 72).
ومن هنا لزم قطع
الطريق على هذا السفه وذلك الخبث وتشريع حد رادع لمن سوّلت له نفسه أو سوّلت له
الشياطين أن يسفه أو أن يكون خبيثاً.
أقوال الفقهاء في حد الردة
وحد الردة في
الملة ليس على ما قالوه أو راج على ألسنتهم ونعقت به حناجرهم حتى أظهروا أن
بالإسلام شرهاً لقطع الأعناق.
والحقيقة أن
المرتد يستتاب قبل إقامة الحد، والاستتابة واجبة عند جماهير العلماء، بل إن
الأحناف قالوا بعدم قتل المرأة المرتدة، ثم جاء شيخ الإسلام ابن تيمية ليفرق في
فتواه بين الردة المجردة والردة المغلظة، وقال: إن من ارتد وأضمر الردة ولم يسع
لفتنة ولا لإضرار بالمسلمين فالراجح أنه لا يُقتل، أما إن كانت ردته مغلظة عمد
فيها لإحداث فتنة وإلحاق أذى وإظهار عداوة فهو المستحق لإقامة الحد.
ووافق شيخ
الإسلام فيما ذهب إليه جمع من علماء العصر كشيخ الأزهر محمود شلتوت، والشيخ محمد
أبو زهرة، والشيخ يوسف القرضاوي.. وغيرهم، وهذا ما يدحض ما ادعاه الشائنون للإسلام
والمفترون عليه الزور الرامون له بالبهتان.
اقرأ
أيضاً:
حرية الاعتقاد بين الإسلام وغيره
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً