معبد الإلحاد يهتز (2)
هل يحتاج الله إلى القلم؟!
لا يكل أعداء
الإسلام من نشر الشبهات حول ديننا العظيم، ولا سيما الملاحدة الذين وجدوا في وسائل
التواصل الاجتماعي فرصة ذهبية للتشويش.
ولقد أثاروا
شبهةً حول خلق الله عزّ وجل للقلم وأمره بالكتابة، حيث يستندون إلى قياس ظاهري بين
أفعال البشر المرتبطة بالحاجة والنقص، وأفعال الله المنزهة عنهما.
وتتجلى هذه
الشبهة في السؤال: «إذا كان الله لا ينسى ولا يحتاج، فما حاجته إلى خلق القلم
وأمره بالكتابة؟»، هذا السؤال ينطلق من مغالطة منطقية تتمثل في إسقاط الصفات
البشرية على الذات الإلهية، متجاهلاً الفارق الجوهري بين الإنسان المحدود والله
الكامل في علمه وقدرته وإرادته.
نص الشبهة:
«يقولون إن أوَّل ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما كان وما سيكون، ولكن أليس
من حقي أن أتعجب؟ نحن نكتب لأننا ننسى ونخشى ضياع المعلومة، نحتاج إلى ترتيب
أفكارنا، أما الله فلا ينسى ولا يحتاج، فما حاجته إلى قلم؟ إن كان خلقه ليذكره بما
كتب فذلك نقص، وإن كان ليرتب به مجريات الأمور فذلك نقص أيضًا، فكيف نخرج من هذه
المعضلة؟» ا.هـ
تستند هذه
الشبهة إلى مغالطة القياس الفاسد بين أفعال البشر وأفعال الله عزَّ وجل، وتتجاهل
الفارق الجوهري بين السببية البشرية المرتبطة بالحاجة والسببية الإلهية المنبثقة
عن الحكمة والكمال.
1-
الفرق بين الحاجة البشرية والإرادة الإلهية:
الشبهة تفترض أن
خلق القلم وأمره بالكتابة نابع مِن حاجة إلهية، وهذا افتراض باطل منطقيًا.
فالإنسان يكتب
لتعويض نقص في ذاكرته أو لتنظيم أفكاره، لأنه كائن محدود محتاج، أما الله تعالى،
فهو غني عن كل شيء، وأفعاله تنبع من إرادته الحرة وحكمته، وليس من حاجة، قال الله
تعالى: «وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ» (محمد: 38).
إذن خلق القلم
هو تعبير عن مشيئة إلهية تهدف إلى تحقيق حكمة، وليس استجابة لنقص أو حاجة.
ولنضرب مثالًا:
الإنسان يبني بيتًا ليحميه من العوامل الخارجية والأخطار لأنه محتاج إلى المأوى،
بينما الله تعالى يخلق السماوات والأرض ليس لحاجة، بل لإظهار قدرته وحكمته، القياس
بين الفعلين باطل لاختلاف الطبيعة الجوهرية بين الفاعلين.
2-
الكتابة كمظهر للعلم الإلهي المطلق:
الكتابة التي
أمر الله تعالى بها القلم ليست لتذكيره، إذ إن الله تعالى يعلم كل شيء قبل خلقه
ومنذ الأزل، بل هي وسيلة لإظهار علمه المطلق وعدله أمام الخلق، بما في ذلك
الملائكة، قال الله تعالى: (مَا
أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد:
22)، هذه الآية الكريمة تؤكد أن الكتابة سابقة على الخلق، وهي سجل كوني
يعكس علم الله الشامل ونظامه المحكم.
الكتابة، إذن،
موجهة للخلق ليدركوا أن كل شيء مقدَّر بعلم مسبق، وليست لتعويض نقص في الذات
الإلهية.
عن ابن عباس قال:
«أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى
يوم القيامة» (رواه الترمذي)، هذا الحديث يوضح أن الكتابة هي تنفيذ للأمر الإلهي،
وتسجيل للمقادير لإظهار النظام الكوني.
3-
الحكمة وراء الأسباب الظاهرية:
الله عزَّ وجل
يستخدم وسائل ظاهرية مثل القلم لتحقيق غايات حكيمة، ليس لأنه محتاج إليها، بل
لأنها جزء من النظام الكوني الذي أراده، هذا يتماشى مع مفهوم «العلة الغائية» في
الفلسفة، حيث تُنفَّذ الأفعال الإلهية لغايات تتعلق بالحكمة والعدل، فكما أن الله
يضع الموازين يوم القيامة لإظهار عدله، رغم علمه التام بوزن الأعمال؛ (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ
لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (الأنبياء: 47)، فإنَّ الكتابة بالقلم تُظهر النظام
والعدل الإلهيين.
ولنأخذ مثالًا: المعلم
يكتب الدرس على السبورة ليوضح المعلومات للطلاب، رغم علمه التام بها؛ كذلك، الله
عزَّ وجل يأمر بالكتابة ليظهر للخلق نظام المقادير، وليس لأنه يحتاج إلى تذكير أو
ترتيب.
4-
نفي الحاجة عن الله:
صفة الغنى
المطلق تنفي أي افتراض بالحاجة عن الله رب العالمين، والشبهة تنطلق من فرضية خاطئة
تفترض أن أي فعل إلهي يحتاج إلى مبرر بشري، قال تعالى: (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ) (محمد:
38)، ولو افترضنا أنَّ خلق القلم يعني حاجة، للزم أن نقول: إن خلق الملائكة
أو الكون نفسه يعني حاجة، وهذا باطل، لأن الله يخلق بحكمة وإرادة، لا لنقص في
ذاته.
وخلق الله
الملائكة لتنفيذ أوامره لا يعني أنه يحتاج إليهم، بل أن حكمته اقتضت تنظيم الكون
عبر وسائل تنفيذية، والقلم يندرج ضمن هذا النظام.
5-
النظام الكوني ووسائل التنفيذ:
الكون مبنيٌّ
على نظام دقيق يعتمد على وسائل تنفيذية مثل القلم، واللوح المحفوظ، والملائكة
والعرش، وحملة العرش، هذه الوسائل ليست دليلاً على نقص، بل على كمال التنظيم
الإلهي، والقلم، في هذا السياق، رمز لتنفيذ الأمر الإلهي في تسجيل المقادير، كما
أن الملائكة وسيلة لتنفيذ الأوامر الإلهية (مثل سيدنا جبريل عليه السلام لنقل الوحي).
ولله المثل
الأعلى؛ كما يستخدم المهندس أدوات لتنفيذ تصميمه، فإنَّ الله عزَّ وجل يستخدم
وسائل مثل القلم لتنفيذ مشيئته، مع الفارق الجوهري أن المهندس محتاج للأدوات بينما
الله تعالى غني عنها.
6-
نقد لغة «ما حاجته؟»:
السؤال «ما
حاجته؟» ينطوي على مغالطة لغوية وفلسفية تُعرف بـ«مغالطة التجسيم» (Anthropomorphism)، حيث يُسقط الملحد مفهوم الحاجة البشرية على الله عزَّ وجل، وفي
الفلسفة، هذا القياس غير صحيح لأن الله جلَّ جلاله منزه عن الصفات البشرية؛ قال
الله تعالى: (لَا يُسْأَلُ
عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (الأنبياء: 23).
فإذا قلنا:
«لماذا خلق الله الشمس؟» لا يُجاب بـ«لأنه يحتاج إلى النور»، بل بـ«لأن حكمته
سبحانه وتعالى اقتضت إنارة الأرض»، ونفس المنطق ينطبق على خلق القلم.
يتضح لنا أنَّ
الشبهة حول خلق الله عزّ وجل للقلم تنبع من مغالطة القياس بين أفعال البشر وأفعال
الله، متجاهلةً أن الله تعالى يفعل بحكمة وكمال، لا بحاجة، والأدلة العقلية
والنقلية تؤكد أن خلق القلم وأمره بالكتابة هما مظهر من مظاهر العلم الإلهي المطلق
والنظام الكوني المحكم، وليسا دليلاً على نقص، والكتابة تُظهر للخلق أنَّ كل شيء
مقدر بعلم مسبق، وتعكس حكمة الله وعدله.