هل يشعر أدباء إسبانيا بالعار من «محاكم التفتيش»؟

د. سليمان صالح

12 يونيو 2025

317

بالرغم من إدراك الأدباء الإسبان لخطورة تأثير «محاكم التفتيش» على المجتمع الإسباني؛ فإنهم لم يتمكنوا من توجيه النقد لها بشكل مباشر بسبب الرقابة والخوف؛ لذلك لجأ بعضهم إلى الرموز مثل كالدرون لاباركا، وهو أهم كتَّاب المسرح في إسبانيا، لكنه مثل العديد من الأدباء في عصره، كان يعيش في ظل الهيمنة الكاثوليكية التي فرضتها «محاكم التفتيش»، ولذلك لجأ إلى استخدام الرموز التي وظفها لنقد السلطة الدينية الكاثوليكية التي تقيد الإرادة الفردية.

ففي مسرحيته التي أطلق عليها «المسرحية اللامتناهية»، أشار إلى أن «محاكم التفتيش» تمارس القمع باسم العدل الإلهي؛ وفي مسرحيته «الحياة حلم» تواجه الشخصيات قيوداً صارمة من القوى الخارجية، ويشير بذلك إلى القيود التي فرضتها «محاكم التفتيش» على الناس.

رمز للظلم الديني والسياسي

لكن هناك العديد من الأدباء الإسبان المعاصرين أدانوا «محاكم التفتيش» واعتبروها جزءًا من التاريخ المشين لإسبانيا، وهؤلاء الكتَّاب غالبًا ما كانوا يتعاملون مع «محاكم التفتيش» كرمز للظلم الديني والسياسي، وأداة للقمع الاجتماعي والفكري، وأشاروا إلى تأثيرها على الهوية الإسبانية وعلى استمرار القمع في المجتمع الإسباني.

ومن هؤلاء الأدباء المعاصرين ماريو بارغاس يوسا الذي وجه نقده للقمع الديني الذي تشكلت في ظله إسبانيا الحديثة، وأن «محاكم التفتيش» جزء من تاريخ إسبانيا الظالم، وأنها نشرت الفكر الاستبدادي، وأن «محاكم التفتيش» جلبت العار لإسبانيا.

كما قدم خوان غوتسيلو نقدًا للتاريخ الإسباني، وفي روايته «التفتيش»، اعتبر أن «محاكم التفتيش» إهانة للإنسانية، ووصمة عار في تاريخ إسبانيا، وأنها وسيلة للقمع الديني والتمييز العرقي، وفي روايته «الليل في الجزائر» ربط غوتسيلو بين «محاكم التفتيش» التي تقوم على الكراهية والتعصب، وقتل البشر لمجرد اختلافهم العقائدي من ناحية، والممارسات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر من ناحية أخرى.

حيث يقول غوتسيلو: إن تاريخ إسبانيا تاريخ طويل من الظلام، وكان هدف «محاكم التفتيش» ليس فقط تطهير الأراضي من «الهرطقة»، بل من العقل البشري ذاته، الذي لا يمكن أن يُسكت على الإطلاق دون إهانة جوهر الإنسانية نفسها.

وفي روايته «الحروب الضارية»، يركز على أن التاريخ الإسباني مليء بالظلم والقمع، وأن «محاكم التفتيش» رمز للقمع المستمر على الحرية الدينية والفكر؛ حيث يقول: ما فعلته «محاكم التفتيش» لا يمكن أن يُغتفر، كان ذلك مسعى للتطهير الفكري والديني لمجتمع لم يكن يريد أن يساير عصورًا جديدة من التسامح، فكيف يمكن للإنسانية أن تواصل العيش في عالم يعترف في تاريخه بذاك الفعل المشين؟

كما كتب أيضًا: إن «محاكم التفتيش» ليست مجرد صفحة مظلمة في تاريخ إسبانيا، بل هي الفكرة التي جعلت من التعددية الثقافية والدينية جريمة، كيف يمكن للإنسانية أن تجد السلام في عالم تسيطر فيه هذه القوى على ما يعتقده البشر في قلوبهم وعقولهم؟

وفي روايته «الضوء والمرايا»، يعتبر غويتسيلو أن «محاكم التفتيش» نموذج سافر على انعدام الرحمة والتعصب الذي يشوه الإنسانية، ويقول: هل كانت «محاكم التفتيش» فقط حربًا ضد الزنادقة؟ أم كانت أكثر من ذلك، حربًا ضد العقل ذاته؟ «محاكم التفتيش» كانت عملية محو للإنسانية تحت ستار الدين؛ وهو ما جعلها عارًا لا يُغتفر في تاريخ البشرية.

إنها مدينة عمياء!

ومن هؤلاء الأدباء المعاصرين أنطونيو غالا، وهو كاتب مسرحي روائي، أشار في رواياته إلى أن «محاكم التفتيش» أداة للقمع وإخماد الفكر الحر، وأنها عار ثقافي لشعب إسبانيا، وأداة للقمع والتعصب، وتشكل تهديدًا للحرية والعدالة.

وقد كتب رواية عنوانها «المدينة العمياء»، في إشارة إلى إسبانيا، فهي تشكل نقدًا اجتماعيًا ودينيًا للتاريخ الإسباني، ويقول فيها: «محاكم التفتيش» كانت أكثر من مجرد حادث تاريخي؛ كانت هجومًا مروعًا على الإنسانية جمعاء، كيف يمكن لشعبنا، الذي بنى حضارة عظيمة، أن يغفر لهذا العار الذي ألحقه بنفسه؟ كان القمع والظلم الذي تمارسه هذه المؤسسة على الأقلية اليهودية والموريسكية، هو الذي أودى بالكثير من القيم الإنسانية.

وفي مقال بعنوان «إسبانيا المظلمة»، يناقش غالا تاريخ إسبانيا من منظور نقدي، مؤكدًا أن «محاكم التفتيش» كانت تجسيدًا لحقبة مظلمة مليئة بالظلم الديني، ويعتبر أن «محاكم التفتيش» كانت وصمة عار على تاريخ الشعب الإسباني لأنها فرضت هيمنة دينية عبر العنف والتعذيب، ويقول: كان تاريخ «محاكم التفتيش» مؤلمًا، كان بمثابة إهانة ليس فقط للحرية الدينية، بل للإنسانية نفسها.. في إسبانيا، حيث كانت الحرية الفردية والتعددية جزءًا من الحضارة، كانت «محاكم التفتيش» تمثل الحواجز التي تقيد التفكير وتُدمّر النسيج الثقافي والإنساني لشعبنا.

وفي كتابه «في قلب إسبانيا»، يقول: هل يمكن أن نعتبر أن «محاكم التفتيش» كانت مجرد مرحلة؟ أم أنها كانت، في الحقيقة، بداية لعملية طويلة من العار؟ أي منطق يمكن أن يبرر ممارساتها؟ «محاكم التفتيش» كانت أكبر من كونها مجرد محاكمة دينية؛ كانت عملية مسح للإنسانية في إسبانيا.

صورة ظلامية في تاريخ العالم

أما خافيير سيركا، فقد اعتبر أن «محاكم التفتيش» تمثل صورة ظلامية في التاريخ الإسباني، وأنها ما زالت تؤثر على العقلية الإسبانية التي تقوم على الاستبداد؛ لذلك بدأ أدباء معاصرون يدينون هذه المحاكم ويعتبرونها وصمة عار لإسبانيا، وتجسيداً للظلم والاضطهاد الديني ورمزاً للقمع الفكري والسياسي وفساد المؤسسات الدينية.

في روايته «المخطوطة غير المكتملة»، يتناول خافيير سيركا انقلاب عام 1981م في إسبانيا، ويعتبره بداية فترة قمعية تشبه العنف المؤسسي الذي مارسته «محاكم التفتيش»، وأن هذا الانقلاب استخدم أساليب التعذيب والقمع الفكري التي استخدمتها «محاكم التفتيش».

في كتابه الذي أطلق عليه «الذي يسمي إسبانيا»، يوضح أن الاضطهاد الديني والتعصب سمة بارزة في تاريخ إسبانيا ويقول: إن التاريخ الإسباني كان تاريخًا مليئًا بالتعصب، حيث كانت القوة الدينية تُستخدم كوسيلة لإجبار الناس على الانصياع لما يُعتبر الطريق الوحيد إلى الحقيقة، «محاكم التفتيش» كانت إحدى الأدوات التي سعت لتوحيد العقلية في إسبانيا، لكن في الحقيقة كانت آلة لتدمير التنوع وإعدام الفكر المختلف.

في عام 2000م، أشار البابا يوحنا بولس الثاني إلى «محاكم التفتيش» في خطاب له عندما تحدث عن الأخطاء التي ارتكبتها الكنيسة في العصور الوسطى.

وفي عام 2007م، قال البابا بنديكتوس السادس عشر تصريحًا يعبر عن الندم عن الأعمال الوحشية التي ارتكبتها الكنيسة الكاثوليكية في عصر «محاكم التفتيش»، وعلى الرغم من أن البابا لم يقدم اعتذارًا رسميًا، فإن التصريحات التي أدلى بها يمكن أن تعتبر نوعًا من الاعتراف بالظلم الذي ألحقته الكنيسة عبر هذه المحاكم.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة