ثمَّ كذَّبوك يا محمد ﷺ (17)

هل ينبُعُ الماءُ من الأصابع؟!

في إحدى الغزوات الشريفة، وبينما يُعسكر النبي صلى الله عليه وسلم بالجيش، قال لجابر بن عبدالله رضي الله عنه: «يا جابر، نادِ بوَضُوءٍ»، والتفت جابر يميناً ويساراً، رافعاً عقيرته(1): ألا من وَضُوءَ؟ ألا من وضوء؟ بيد أنه لم يجد شيئاً منه، فعاد قائلاً: يا رسول الله، ما وجدت في الركب من قطرة.

وكان في الجيش رجل من الأنصار يغرس أعواداً من جريد، ويُعلق عليها قربة مليئة بالماء كي تهبط حرارته ويبرد للرسول صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: «انطلق إلى فلان ابن فلان الأنصاري، فانظر هل في أشجابه(2) شيء».

وعندما ذهب جابر إلى الرجل لم يجد إلا قدراً يسيراً جداً من الماء بحيث لو حاول إفراغه لشربه باقي جسد القربة لشدة جفافها، ولئن كانت هذه حال القربة، فكيف بحال الإنسان؟!

لذا، عاد جابر أَسِفاً، يقول: يا رسول الله، إني لم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب منها، لو أنني أفرغته لشربه يابسه.

فما العمل، والمكان جدب لا زرع فيه ولا ماء؟ وإذا انقضت مشكلة الوضوء بالتيمم، فكيف بمشكلة الظمأ؟

وبيقين في دعم القدرة الإلهية، رفع صلى الله عليه وسلم بصره إلى جابر: «اذهب فأتني به»، فلما أتاه به أخذه بين يديه الشريفتين وجعل يعصر ويلهج إلى الله بالدعاء حتى تتجلّى قدرته في الماء، ثم ردَّ الْقِرْبَةَ إلى جابر قائلاً: «يا جابر، نادِ بجَفْنَةٍ(3)».

ولما أتاه جابر بالجَفْنَةِ، وضع صلى الله عليه وسلم يده الشريفة مبسوطة في قعرها وقد فرَّق بين أصابعه، قائلاً: «خذ يا جابر فصبَّ عليَّ وقل بسم الله».

وعندما قال جابر وفعل، أرسل الله تعالى قدرته وبركته على الماء، ورأى جابر تغييراً حقيقياً يحدُث في كمية الماء، رأى الماء يكثُرُ من بين أصابعه الشريفة ويتعاظم، ولكأننا بجابر يتشوَّفه جيداً، ونظراته في الجفنة تروح وتجيء، يدور الماء في الجفنة، تكثُر قطراته، تنتج آلاف القطرات.

ويُخيِّـم الصمت على المكان، لا يقطعه سوى صوت تصاعد الفقاقيع من شدة فوران الماء، وحركتها الدائبة التي يربو أثرها ويزيد في يُسر وسهولة، مُحدثاً ضجة ما نحسبها إلا أصواتاً يصدرها الماء تسبيحاً لربه، وشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، شهادة تبقى ما بَقِيَتْ على الأرض أنفاسٌ للبشرِ.

لِتُعبِّر المعجزة عن نفسها تعبيراً رائعاً، أو تُعبِّر عن قدرة الله تعبيرًا قوياً، وتعكس أثرها وقتذاك على وجه جابر كما تعكس أثرها الآن على قلوبنا ألواناً من الأحاسيس الرائعة تتردد بفخرها وزهوها.

وتقع عينا جابر وقتذاك على الوجه الشريف فيراه كما نتخيله الآن مُكْتَسياً بأسمى آيات الطمأنينة والقداسة والإيمان، ومع تردد الفخر مع الزهو، يتردد السؤال مع الجواب: من أي شيء كانت المعجزة، وإلى أي شيء تنتسب؟

إنها من قدرة الله عز وجل، ونسبها إلى صدق نبوة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وقد أتت لغرض وسارت إلى غاية، فلئن كان غرضها وقتذاك نجدة متمثلة في سقياهم ووضوئهم، فإن غايتها تعزيز رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت القلوب المؤمنة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وأفاق جابر على الصوت الشريف، يقول: «يا جابر، نادِ من كان له حاجةٌ بماءٍ»(4)، فراح جابر يَسْتَدْنيهم وينفذ الأمر ويُذِيعه حتى أتوا أرْسالاً(5)، ولربما عندما تشوَّفوا الماء، وعلموا أمره، تدافعوا بالمناكب ليدنو كلٌ منهم من المعجزة ذات الصورة المتفردة التي تَسرُّ الناظرين، ويتملك كلاً منهم شعور بالفخر لارتباطه بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم، كما يتملكنا الآن لارتباطنا برسالته.

ويسري أثر المعجزة من نفس إلى نفس، ولأن الأعماق تتكشف على الوجوه، أو البواطن تتبدى على الظواهر، بدا أحدهم متحيراً، وحملق آخر في ذهول، ولجأ ثالث إلى الصمت، وسرت في جسد غيرهم رعشة سعادة، كلٌ بحسب استعداد نفسه وقابليتها للمفاجآت الشديدة.

وما أريد قوله: إنه رغم يقيني بأنهم جميعاً قد خطر لهم ذات الخاطر الذي خطر لجابر بأن القدرة الإلهية تدخلت لنجدة الموقف، وأنها تخصَّه صلى الله عليه وسلم بالمعجزات، فإنه كان للمعجزة صداها في نفوسهم، وأثارت فيهم مجموعة من الأحاسيس الحلوة المتشابكة والممتدة التي سيستقر أثرها في نفوسهم طويلاً، ولن يتوارى مثلما يتوارى أثر كل شيء شيئاً فشيئاً، وفي وسط ذلك كله يبدو صلى الله عليه وسلم واضعاً يده في الماء، ماضياً في إتمام المعجزة، وقد استقرَّت على وجهه الشَّريف مَسَحَاتٌ من الرِّضا والغِبْطَة.

ولنترك جيش الصحابة لتنزه قلوبهم الله في يقين، وتشد على شهادتها للحبيب صلى الله عليه وسلم، وتتمتع عيونهم بروعة المعجزة، وتستنشق أنوفهم عبيرها، وينعموا بالماء، لنجيب عن السؤال الذي أجبنا عنه سابقاً: لماذا لم ينبع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يضع يده في قطرات الماء؟

إن الله تعالى أراد ذلك حتى لا يأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم صفة من صفات الله وهي الإيجاد من عدم؛ لأن الخلق من عدم صفة لله وحده، فلا مانع من أن ينمي الرسول صلى الله عليه وسلم موجوداً ويباركه، ولذلك عندما وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الإناء فاض بالماء حتى شرب الجيش كله وتوضؤوا(6).  

وما عاد أحد ليردَّ على جابر عندما كان يُنادي: هل بقيَ أحدٌ له حاجةٌ بماءٍ؟ فقد أَوْرَثَتْهم المعجزة رياً ومتعة وطهارة، ولفت جابر بصره نحو النبي صلى الله عليه وسلم فإذا به يرفع يده الشريفة من الجفنة وإذا هي على سيرتها ملأى بالماء.

وتَوسَّد صدى المعجزة عَطِراً شذياً نسمات الهواء، وجال على الدُّنَى(7) من وقتها إلى وقتنا.. ولكنهم كذَّبوك يا محمد.


اقرأ أيضاً:

هل يمشي الشجر؟!

هل يتحدث اللحم؟!

هل يبكي الجماد؟!


الهوامش:

_________________

(1) صوته.

(2) جمع شجب، وهو القربة التي بُلِيت وصارت يابسة، ويقال: شاجب أي يابس.

(3) قصعة.

(4) حديث صحيح: أخرجه مسلم (3013)، والبيهقي (6/ 9) في دلائل النبوة.

(5) أفواجاً وجماعات.

(6) معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد متولي الشعراوي.

(7) جمع دنيا.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة