هندسة الاستدراج.. قراءة في أرشيف الانحراف!

هندسة الاستدراج.. قراءة في أرشيف الانحراف!

تتزين الدنيا في عين طالبيها، فتبدو في أول أمرها خضرة حلوة، تبهج الناظرين وتغوي السائرين؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الدُّنيا خَضرةٌ حُلوةٌ، فاتَّقوها واتَّقوا النِّساءَ»، وفي زوايا التاريخ الغابر، يفتح لنا هذا التحذير صفحة مطوية من أرشيف الانحراف ليروي لنا قصة امرأة من بني إسرائيل، ضاق صدرها بقِصر قامتها، ولم ترضَ بقسمة خِلقتها، فنبتت في نفسها عقدة النقص، وتحايلت على واقعها بصناعة قوام زائف، فصنعت رجلين من خشب لتطاول زميلاتها، وهو أول عتبة في التمرد على الفطرة ورفض الواقع؛ وابتكرت خاتماً من ذهب فيه فتحة وله غطاء وحشته مسكاً، فكانت إذا مرَت بمجامع الناس فتحت غطاء الخاتم فيفوح المسك، باحثة عن التفاتة عين أو همسة إعجاب من جمهور يجهل حقيقتها.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كانَتِ امرَأةٌ مِن بَني إسرائيلَ، قَصيرةٌ، تَمشي مع امرَأتَينِ طَويلَتَينِ، فاتَّخَذَت رِجلَينِ مِن خَشَبٍ، وخاتَمًا مِن ذَهَبٍ مُغلَقٍ مُطبَقٍ، ثُمَّ حَشَتْه مِسكًا، وهو أطيَبُ الطِّيبِ، فمَرَّت بينَ المَرأتَينِ، فلَم يَعرِفوها، فقالت بيَدِها هَكَذا، ونَفَضَ شُعبةُ يَدَه» (صحيح مسلم، 2252)، وعند ابن خزيمة (1699): «فإذا مرَّت المسجِدِ أو بالملإِ، قالت بِهِ: ففتحتْهُ، ففاحَ ريحُهُ».

إن هذا المشهد التاريخي البعيد ليس مجرد حادثة عابرة طواها الزمن، لكنه النموذج البدائي لرحلة الزيف التي بلغت ذروتها في عصرنا الحاضر، ثمة خيط ممتد، وخط بياني متصاعد يربط بين الأمس واليوم؛ فالرجلان الخشبيتان اللتان استعانت بهما المرأة قديماً للتطاول والتعالي، تقابلهما اليوم جراحات التجميل التي لا ضرورة لها، وفلاتر التطبيقات الرقمية التي تمسخ الوجوه وتبدل الملامح، وهو تزويرٌ وتشبعٌ بما لم يملك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المُتشبِّعُ بما لَمْ يُعْطَ، كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» (مسلم، 2129).

وما كان بالأمس خاتماً مغلَقاً يُفتح في طريق المسجد لاستدراج المارة بعطر يفوح، تقابله اليوم حركات «الفاشنيستات» وإيماءات صانعات المحتوى في فضاءات «تيك توك» و«إنستغرام»؛ حيث يُعرض الجسد، وتُبتذل الخصوصية، ويُفتح مزاد الإثارة لالتقاط «الترند» واصطياد المتابعين.

وإذا كان الانحراف يبدأ بتزييف المظهر الفردي، فإن خطورته تزداد حين يتسلل لانتهاك الفطرة كظاهرة جماعية.

إن الفطرة البشرية التي جبلها الله على السوية والاعتدال، لا يمكن لعقل وازن أن يتصور قفزها الفجائي من العفة إلى الرجس المحض؛ فالنفس تأبى الانقلاب الكلي دون مقدمات مُمهِدة، ومن هنا، يتبدى لنا فقه السنن الإلهية في تشريح معصية قوم لوط، حيث لم يقعوا في قاع الفاحشة الكبرى بغتة، بل قادهم إبليس عبر خطة محكمة، قوامها خطوات الشيطان التي تستعصي على الإنسان السوي لو جابهته بغايتها في أول طرقه، فلا بد في خطة إبليس من التسلل والتدرج، والخطيئة لا تولد عملاقة.

قال تعالى: (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ {80} إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ) (الأعراف).

وفي ظلال هذا الحصر القرآني الفريد، يتجلى التدرج الخبيث الذي يبينه المحققون؛ إذ يقول الشيخ عبدالعزيز الطريفي: «والإنسان السوي بفطرته يستبشع قلب الحقائق الكونية بوطء الذكور، والشيطان يستعصي عليه فطرة الإنسان أن يخرجها من وطء الزوجات بالمشروع إلى إتيان الذكور مباشرة؛ ولذا يتدرج مع العباد خطوات، فيبدأ بإتيان النساء في غير ما أحل الله من القبل (وهو الزنى)، ثم يترقى به إلى وطء الزوجات في الأدبار، ثم وطء الأجنبيات في الأدبار، فإذا استمرأ الناس أدبار النساء ومسالك الغائط، انتقلوا بعد ذلك إلى أدبار الرجال؛ لأن الفطرة لا تنتقل من الشيء ونقيضه مباشرة إلا بتدرج، وقد قال جامع بن شداد: كانت اللوطية في قوم لوط في النساء قبل أن تكون في الرجال بأربعين سنة» (أحكام القرآن، الطريفي، 3/ 168).

والقرآن الكريم لم يذكر تفاصيل هذا التدرج صراحة، لكن أثر جامع، والنظر الصحيح، وسنن إبليس في الإغواء (خطوات الشيطان) تدل على أن إتيان النساء في الأدبار وهو (اللوطية الصغرى) كان البوابة التي فتحت لقوم لوط الوقوع في فاحشة اللواط بالرجال.

إن هذا التمهيد التاريخي عبر ما يسمى بـ«اللوطية الصغرى» يمثل المقابلة مع واقعنا المعاصر الذي يعيد إنتاج ذات الجريمة بقوالب مقننة ومحاطة بهالات الدعاية العالمية.

لقد بدأ الانحراف المعاصر بخطوات ناعمة تحت مسميات الحريات الفردية، ثم تدرج سريعاً لشرعنة المساكنة والروابط البديلة، حتى استمرأ الناس سقوط الحواجز الأخلاقية، فوصلت البشرية إلى طورها المزرى اليوم عبر العولمة القسرية للشذوذ؛ حيث تُفرض الأجندات عبر المنظمات الدولية، وتُحقن عقول الأطفال في المناهج التعليمية بمفاهيم الهوية السائلة، ويُجرم من يدافع عن الفطرة السوية بوصفه رجعياً أو متطرفاً.

وهنا نصل إلى الطور الأخطر من أرشيف الانحراف، غايته القصوى التي تتجلى حين يُهدم الحصن الاجتماعي الأخير؛ الأسرة، وحين تُشرعن الخطيئة تحت لافتات فكرية براقة تُسمى الحرية.

إن هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل رصد علماؤنا بوادره الأولى بحس استشرافي دقيق قبل عقود؛ وفي هذه المحطة، يفتح لنا المؤرخ المغربي أحمد بن خالد الناصري في موسوعته «الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى» صفحة بالغة الأهمية، واصفاً مآلات الفكر الوافد، فكتب وهو يتحدث عن حوادث عام 1279هـ: «وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْحُرِّيَّةَ الَّتِي أَحْدَثَهَا الْفِرَنْجُ فِي هَذِهِ السِّنِينَ هِيَ مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ قَطْعًا لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ إِسْقَاطَ حُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ وَحُقُوقِ الْإِنْسَانِيَّةِ رَأْسًا.. وَأَمَّا إِسْقَاطُهَا لِحُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ فَلِأَنَّهُمْ خَذَلَهُمُ اللهُ يَقُولُونَ: إِنَّ الْوَلَدَ الْحَدَثَ إِذَا وَصَلَ إِلَى حَدِّ الْبُلُوغِ وَالْبِنْتَ الْبِكْرَ إِذَا بَلَغَتْ سِنَّ الْعِشْرِينَ مَثَلًا، يَفْعَلَانِ بِأَنْفُسِهِمَا مَا شَاءَا وَلَا كَلَامَ لِلْوَالِدَيْنِ فَضْلًا عَنِ الْأَقَارِبِ فَضْلًا عَنِ الْحَاكِمِ».

إن هذا التمرد يصطدم مباشرة بنقاء الفطرة؛ إذ «نَعْلَمُ أَنَّ الْأَبَ يُسْخِطُهُ مَا يَرَى مِنْ وَلَدِهِ أَوْ بِنْتِهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَهْتِكُ الْمُرُوءَةَ وَتُزْرِي بِالْعِرْضِ..، فَارْتِكَابُ ذَلِكَ عَلَى عَيْنِهِ مَعَ مَنْعِهِ مِنَ الْكَلَامِ فِيهِ مُوجِبٌ لِلْعُقُوقِ وَمُسْقِطٌ لِحَقِّهِ مِنَ الْبُرُورِ» (8/ 130).

إن الصورة المتقابلة بين الأمس واليوم تكشف عن تدرج مرعب؛ فما حذر منه الناصري قديماً بوصفه نظرية وافدة وراء البحار، تحول اليوم عبر تدرج خبيث إلى واقع معيش وقوانين مفروضة داخل بيوت أكثر الناس.

لقد بدأت المسألة بخطوة ناعمة تُطالب باستقلال الأبناء، ثم تدرجت إلى نزع سلطة التربية من الأبوين تحت لافتات مناهضة العنف الأسري، حتى وصلنا اليوم إلى مشهد تتكفل فيه المنظمات بحماية الولد أو البنت إذا قررا التمرد على الفطرة، بل والمجاهرة بالرذيلة على مرأى ومسمع من الأب المكلوم الذي يُمنع بقوة القانون والاتفاقيات الدولية من التدخل.

لقد تحول العقوق من خطيئة يستقبحها المجتمع، إلى حق إنساني يُحاط بالحماية والتبجيل، لتصبح الأسرة مجرد تجمع هش لأفراد غرباء، لا يجمعهم دين ولا مروءة.

إن المتأمل في خط السير الفكري لهذه القصص الثلاث يُدرك أن الشيطان وجنده لا يجابهون المجتمعات بكليات الرذيلة دفعة واحدة، بل يتبعون هندسة التدرج التراكمي، فالمرأة الإسرائيلية التي بدأت بحيلة الرجلين الخشبيتين انتهت بفتنة المجتمع بعطرها؛ وقوم لوط الذين استمرؤوا وطء النساء في الأدبار انزلقوا تدرجاً لانتكاس الفطرة بالرجال؛ ومجتمعات الغرب التي نادت باستقلال الولد عن أبيه بلغت اليوم ذروة التفكك بنزع صفة الأبوة والأمومة.

إنها السلسلة الخبيثة ذاتها؛ تبدأ الخطيئة كحيلة فردية، ثم تتحول إلى ممارسة مجتمعية مقبولة، وتنتهي كقوانين وأيديولوجيات عالمية عابرة للقارات تفرض الزيف والشذوذ والعقوق كمعايير حتمية للحداثة.

والمَخرج الوحيد من هذا التدرج الوبائي إدراك فقه خطوات الشيطان، والاعتصام بالوحيين، وحماية الأسرة والفطرة في مهادها الأول قبل أن تبتلعها أمواج السيولة المعاصرة؛ فالحرية الحقيقية عبودية الله وحده، وكل حرية تسقط حقوق الخالق والوالدين ليست إلا قيداً جديداً من قيود الرجس والانتكاس.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة