هيجل.. والحقائق النسبية
يعد فردريك هيجل
من أساطين الفلسفة الغربية وأحد عمدائها الكبار، فقد كانت له اليد العليا في التأثير
بفلسفته على العقل الغربي، حتى إن كثيراً من كبار المفكرين الغربيين تأثروا به
وترك فيهم بصمة واضحة في تدشين مذاهبهم الفلسفية.
وأبرز هؤلاء
الناسجين على منواله كارل ماركس حين جعل جدلية هيجل عمدته في صياغة وبناء مشروعه الفلسفي،
ومن هنا كان لزاماً على كل مبتغ للإلمام بأفكار الغربيين أن يطالع فلسفة هيجل ويقف
عليها بصورة شاملة.
ونحن هنا لسنا
بصدد ذكرها بصورة تفصيلية، إذ المقام لا يجود بذلك؛ ومن ثم سنركز على أبرز فكرة
صاغها هيجل ضمن أفكار عدة تضمنتها فلسفته.
لقد قرر هيجل
بأن الأفكار لا تتمتع بالصواب المطلق، وصوابها إنما يكون في زمانها، حتى إذا ما
تقادمت عليها الأيام لم تعد مصيبة وبان عوارها وانجلى نقصها، وهنا تنشأ فكرة أخرى
تستدرك عليها ما بان من خطأ، وتبقى تلك الفكرة بدورها على صوابها الزمني حتى
يصيبها ما أصاب الأولى من سفور علتها وجانب النقص فيها، فتنشأ فكرة ثالثة ترمم
الخلل في سابقتها ليجري عليها هي الأخرى ما جرى على سابقاتها.
وهكذا دواليك،
يبقى الفكر الإنساني في ديناميكية متصلة بلا انتهاء، ولذا كان من المحال عند هيجل
أن نصل إلى الحقيقة المطلقة، بل لا حقيقة مطلقة، وسوف نبقى رهناء للحقائق النسبية
أمد بقاء الإنسانية على أديم تلك الحياة.
إن تقرير هيجل
بأنه لا حقيقة مطلقة ليس يسيراً على الإنسان الذي من صميم تكوينه النفسي أن يركن
إلى تلك الحقيقة الراسخة الثبوت يأوي إليها عقله ويعتمدها مرجعية هادية له من
التيه المحيط به من كل جانب، وغيابها يعني غياب الطمأنينة القلبية والراحة العقلية،
وهو ما يقضي بالشقاء الروحي والقلق العقلي على ذلك الإنسان الذي ما فتئ عقله يتساءل
عن الحق منذ أن برأه خالقه على هذه الأرض، فإن لم يهتد إليه فلن يقر له قرار ولن
يهنأ في دنياه، ولو أترعت هذه الدنيا بكل ألوان النعيم والرفاه.
إن الضرورة
الحتمية لهذه الحقيقة لتؤكد وجودها حتى وإن أخفق العقل في بلوغها، كما أن منطق
العقل ليجزم بها، فمن مقتضيات ذلك المنطق أن لكل شيء ضداً، والنسبي ضده المطلق،
والكمال هو ضد النقص، وإن النسبية والنقص موجودان، وحتماً لضدهما من الكمال
والمطلق وجود، ولن يكون هذا الكمال ولا ذلك المطلق من بنات أفكار عقل الإنسان،
فالعقل متهم غير جدير بالثقة، وكل ما كان منه كان مثله يعتوره العيب والنقص.
وهذا يسوقنا
ويسوق كل عاقل للقول: إن الحق المطلق ذا الكمال وتمام السلامة يكون مما يسمو عن
العقل وليس في دنيا هذا الإنسان ما هو سام عن عقله إلا وحي السماء، وهذا يجعلنا
نقول ونجزم ونحن على غير وجل بأن ما قال به هيجل سبيل من السبل المسلوكة لإثبات
وجود إله منزه عن كل عيب جليل عن كل نقص.
كما يمكننا
القول: إن هيجل وأضرابه من متفلسفة الغرب لم يغب عنهم ما قلناه، لكنهم كانت بهم
حالة نفور مرضية من كل قول أو تقرير يدنيهم من الدين، فالعداء له فيهم مستحكم إلى
أقصى المدى، ونفورهم هذا مفهوم إن كان من دين في عقيدته خلل أو شطح لا يتوافق مع
عقل أو منطق، لكنه غير مفهوم مع دين لم تتضمن عقيدته ما يستعصي على عقل الإنسان،
ولا يتصادم معه، فكان حرياً بهم أن يتحلوا بالموضوعية، وألا يعمموا موقفهم السلبي
من الدين كله.
اقرأ أيضا
المدرسة العقلية وأثرها على الأمة