التعريف بحقائق الإسلام..

واجب الخطباء والدعاة في رمضان

يُعد شهر رمضان المبارك فرصة دعوية كبيرة للتعريف بحقائق الإسلام ومبادئه وتطبيقاته، فالمسلمون يقبلون على المساجد والاستماع إلى الدعاة عبر الوسائط المختلفة، ولا ينبغي أن يكون تعامل الدعاة والوعاظ مع هذا الإقبال الجماهيري الكبير تعاملاً تقليدياً أو قاصرًا عن المطلوب.. ولعل المطلوب الأعظم الذي يجب أن يقدمه المسجد ووسائط الدعوة المختلفة والواسعة هو التعريف بحقائق الإسلام ومبادئه ونظمه وتطبيقاته في الحياة المعيشة. ونطرح فيما يلي برنامجًا مقترحًا للدعاة والخطباء في رمضان عنوانه الأكبر إعادة اكتشاف الإسلام في نفوس المسلمين.

الحقيقة الكبرى أو التوحيد

يتضمن هذا البرنامج إلى بيان مفردات التوحيد الكبرى من واقع القرآن والسنة النبوية المطهرة، قبل دخول الفلسفات والكلام إلى هذه الحقيقة الكبرى، ويتم الاعتماد على نصوص المرجعية العليا (القرآن والسنة) ويتم تقديمها للناس بشكل مبسط، يتضمن إبراز الجانب التصوري والعملي معًا. إن للتوحيد أثرٌ ظاهر وباطنٌ في حياة الإنسان، أمّا الباطن فهو اليقين الثابتُ بالغيب، وأمّا الظاهر فيتجسّد الإيمان في سلوكِ وجوارح الإنسان، وإلّا يكون فاقدًا لمصداقيته وفعاليته، فالإيمان ما صدَقَ في القلب وصدّقه العمل.

إن تعرض الدعاة لهذا البرنامج لابد وأن يخضع إلى تصور رئيس في ذهنية الدعاية يقوم على الاعتقاد أن مراحل تطور الحضارة الإسلامية وتراجعها يرتبط عضويًا بموقف الإنسان المسلم من مركزية فكرة "التوحيد" في حياته المعيشة، وقد مرت هذه الفكرة منذ إعادة بعثها بالقرآن منذ خمسة عشرة قرناً بالمراحل التالية:

1- مرحلة ظهور التوحيد الحق. ومواجهة الشرك الإنساني والطغيان البشري على الكون (بناء قيم التوحيد النظرية وتربية الموحدين الأول).

2- مرحلة نشر التوحيد الحق والانتشار الحضاري الأفقي والإيناع الثقافي والحضاري الإسلامي في العالم. وتحقيق مقاصد الحق في الخلق. (نشر التوحيد في العالم).

3- مرحلة التوحيد الغائب أو الكامن.. وعصر التراجع الإسلامي وما صحبه من تدهور للإنسانية، وعودة الشرك والطغيان البشري.

ومن ثم فإن بعث مفهوم التوحيد من واقع المرجعية الإسلامية العليا إلى العالم (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: 110) إنما هو بعث ونهوض لإنسانية العالم مرة أخرى.

من الكتابات الرائدة في هذا البرنامج كتاب الشيخ محمد أبوزهرة: العقيدة الإسلامية كما جاء بها القرآن الكريم. يمكن للوعاظين التزود بمضمونه والمعارف القرآنية الرائقة التي يطرحها حول مفهوم التوحيد والإيمان.

الحقيقة الاجتماعية

إن جوهر الإسلام هو الحقيقة الاجتماعية التي مدارها (الناس)، فالإسلام جاء من أجل تحرير الإنسان من كل عناصر الرق والاستعباد القديمة، والحديثة والمستقبلية أيا كان اسمها أو لونها أو مذهبها.

إنّ الإسلام يتوجّه بالأساس إلى الإنسانِ لإصلاح حركته ونشاطه العمراني، من أجل أن يتحقّق العدلُ القائم على الرّحمة، والتعاون الإنساني القائم على البرّ والتقوى. أما إطار الحقيقة الاجتماعية في الإسلام التي يجب أن تبلغ للناس فتقوم على المبادئ التالية:

- هدفَ الإسلام هو رفعةُ الإنسان بغرس الإيمان في قلبه، فبالإيمان وحدَه يتحقّق التطور الاجتماعي. إنّ تربية المسلم على خشية الله وتقواه تجعلُه قادرًا على تأديةِ واجبه بإخلاصٍ وأمانة من أجلِ إقامة عالم أفضل.

- لشرائع الإسلام مقاصدَ ساميةً هدفُها أنْ يتعامل الناسُ بالشورى والعدالة، وأنْ توزّع الثروات المملوكة أصلًا للجماعةِ بين الأفراد توزيعًا عادلًا وفقَ عملهم وكسبهم واجتهادهم، وحسبَ حاجاتهم وضروراتهم، فالثروةُ لا يجوز أن يكتسبَها الأفرادُ ظلمًا وعدوانًا وتسلطًا(1).

-   الخصائص الأولى لرسالةِ الإسلام الأخيرة هي تخليصُ الإنسانية من أعبائها التي أنْقضَت ظهرَها وأثقلتْ كاهلها، وحبستها عن الحركة الحرّة أعصارًا طويلة(2).

- التحرير: يشمل: فكُّ أسر العقل الإنساني من الخرافة والشعوذة والتدجين والنظر الصوري العقيم، واستبداله بالعقل العلمي والمنهجي المنظم نحو قراءة الكون والطبيعة، أي: بناء العقل التجريبي القائم على الملاحظة والتجربة واعتبار ذلك عبادةً لله –تعالى- وليس إنكارًا للمعبود الغيبي.

- التحرر: يتضمن: تحرر الوجدان الإنساني من الالتزام بالطين والمادة وهجر الروح والسماء، أي: تزكية الوجدان الإنساني وتهذيبه، وتوظيف الغرائز والاستعدادات الإنسانية بما يتلاءم مع تكريم الإنسان، واستخلافه في الأرض وسيادته على باقي المخلوقات.

- الحرية: تظهر: في صورتها المادية في فكِّ رقاب البشر من الاستعباد البشري، وإقرار المساواة الإنسانية، ونبذ كل الموازين الظالمة، وإقامة موازين القسط والعدل، وهي في صورتها المعنوية تحقيق للانعتاق الإنساني من كل حولٍ وقوةٍ بشريةٍ أو ماديةٍ، والارتهان إلى حول وقوة الواحد الأحد.

إن جوهر التوحيد كما أنه الخضوع لله وحده بالعبودية، فإنه أيضًا تحقيق كرامة الإنسان وحريته ونيل حقوقه في هذه الكرامة وتلك الحرية.

إن عمل الدعاة والوعاظ يجب أن يتركز حول هذه المبادئ الأساسية للشخصية المسلمة التي تحمل التوحيد إلى العالم. ودون يظل المسلمون في هذه الهوة السحيقة التي حالت بينهم وبين تحقيق عظمة الإسلام، وحالت بينهم وبين ممارسة التحضر الإسلامي في صورة معاصرة.

قيم الحياة المادية

إن النشاط الاقتصادي الذي يقوم به المسلم يدخل في نطاق مفهوم العبادة بمفهومها الجوهري، بشرط تحقيق أمرين، أن يكون ذلك النشاط محقِّقًا لمقاصد الشرع في الخلق والعمران، والثاني أن يكون خالصًا لوجه الله وهو ما يتبعه شرط لازم وهو توافر "الإحسان" في ذلك العمل الذي يقوم به سواء كان عملًا ذهنيًا أو ماديًا.

ومبدأ الاعتقاد في القرآن يقوم على ربط الإيمان بالعمل، فلا إيمان بلا عمل، والعمل دون إيمان كسراب بقيعة، والتقاء العمل بالإيمان يحقق المنهج الواقعي للفكر الإسلامي، ويصبغ الشخصية المسلمة بالإيجابية، فلا رهبنة في الإسلام، ولا انعزال عن الواقع أو المجتمع؛ بل مشاركة ومبادرة ومغامرة لتحقيق العمران.

وفي هذا الصدد يقرر القرآن الحكيم مبادئ عدة لربط الإنسان بواقعه ومجال أنشطته الاقتصادية والإنسانية المختلفة، هذه المبادئ تقع بين القدرة الإنسانية وقابلية الطبيعة للتطويع من خلال المبدأ القرآني "التسخير" فالنفس والطبيعة مهيئان لإنجاز "العمل" و"العمران" ويشحذ المنهج القرآني همة الإنسان للعمل في كل وقت حتى نهاية الكون، فإذا وقعت هذه النهاية وفي قدرة الإنسان القيام بحركة بسيطة مثل "غرس الفسيلة" فليقم بهذه الحركة، إنه تقدير من المنهج لخاصية العمل وتقديس له من أجل الإنسان ارتقاءً لمهاراته وتطويرًا لحياته وممارسة لوظيفته. ولهذا ربط العلماء في تعريف الإيمان جانبين، جانب الإقرار باللسان والتصديق بالقلب، وجانب العمل أو تصديق الأركان والجوارح. 

إن هذا البرنامج البلاغي الذي يجب أن يقوم به الدعاة يجب أن يرتكز على بعث وتجديد القيم التالية في ضوء منظور خيرية الأمة وإخراجها للناس: وهذه القيم هي:

1- قيمة العمل.

2- قيمة المشاركة والتداول.

3- الحدود والمنهيات الاقتصادية كالربا والاستغلال والاحتكار.

4- قيمة العدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي.

5- قيمة المحافظة على المال من أن يقع في أيدي السفهاء.

الإسلام دين لا يدعو الفقر

ننقل عن الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى هذه المبادئ العليا في النظر الإسلامي للحياة المادية والاقتصادية:

- الإسلام لا يدعو أتباعَه إلى الفقر والعوز، وكذلك لا يدعوهم إلى التّكالب على الدنيا. "فنحن لا نزعم أنّ الدينَ يوصي الناسَ بالتّكالب على الدنيا، والتّفاني في خدمتها، وإشباع نهمة النفس منها، كما تفعل ذلك المذاهبُ المادية. ولا نزعم أنّ الزّهد في شهواتها والتخفف من لذائذها ووضعها بالنّسبة إلى الآخرة في الكفّة المرجوحة، لا نزعم ذلك خطأ في الفكر أو نقيصةً في الخلق؛ بل إنّنا نعترفُ أنّ اتجاهات الدين في هذه الأنحاء واضحةٌ وصادقة، ومادامت الآخرة حقًّا فإنّ إسقاطها من حسابِ الدنيا ضلال. ومادامت للحياةِ الدنيا مُثلٌ رفيعة ينبغي إيثارها فإنّ إغفال الفضائل الروحية لا يسوغ إلّا في مجتمع من الحيوانات"(3).

- الفقر في نظر الإسلام معرّةٌ وسبّة، يوم يكون نتيجة الخمول والقعود وعقبى التفريط والاستحماق. وإنّ الرغبة في إحراز الدنيا وكسبِ المال لا تقفُ من الناحية النفسية عند حد، كما أنّ الشريعة لم تقدر حظوظًا معيّنة من الأرزاق يهدأ المرءُ بعدَ نيلها.

-  إنّ الأممَ لا تؤدّي رسالتها بالمجان، ولا تبلغ أهدافَها عنْ طريق الفقر والكسل والإهمال، فإن أعباء الحياة أثقلُ مما يطيق الكسالى، وأوسعُ مما يفكّر القاعدون. والرّسالات الكبرى- وفيها الحقّ والباطل- تكلّف ذويها أن يبذلوا ما عندهم، وأنْ يستنبطوا منابع أخرى تعينُ على البذل والإنفاق.

- إنّ الإسلام رسالةٌ ضخمة لا يطيقها إلّا الأقوياء، ولا يحملها إلّا الأغنياء. وعلى العالم الإسلامي أن يسعى حثيثًا ليقوّي ويغتني بالعمل المتواصل في مواطنه الخصبة المنتجة.

الإسلام والعلم

يطرح الشيخ الغزالي مجموعة من المبادئ الأساسية لعمل الواعظين والدعاة في خطابهم الدعوي والتربوي إلى الأمة في مجال العلاقة بعث وتجديد العلاقة المعاصرة بين الإسلام والعلم وهي كما يلي:

- إن الإسلامُ طلب من أتباعه تجويدَ علوم الدنيا لأمور ثلاثة:

- أنّ تعمير الأرض جزءٌ من رسالةِ الإنسان على ظهرها، جزءٌ من العبادة التي خلق من أجلها، جزءٌ من الكدح الذي يصون به نفسَه وأهله وشرفه.

- أنّ الله لم يخلقِ الإنسان ليشقى، ويجوع ويعرى؛ بل خلقه مكرّمًا يحمله ما في البر والبحر، وأحلّ له الطيبات، ويسّر له الزينة والجمال بما فوقه مِن نجوم، وبما بين يديه من زرع وضرع.

- أنّ الجهادَ المكتوب على المؤمنين لحمايةِ الدين لا يمكن أن يتمّ، ولا أن ينجحَ بعيدًا عن التفوق المدني والحضاري. والأمّةُ الإسلامية كي تكونَ على مستوى دينها لا بدّ أن تكون راسخة القدميْن في شئون الحياة كلها، بل يجبُ أن تكون سبّاقة في شتى الميادين(4).

- لو التزم العقل الإسلامي الخطّ القرآني المشغول بالملاحظة والتجارب، المهتمّ بالتنقيب والحقائق، الجوَّاب في آفاقِ الأرض والسماء؛ لكان له شأنٌ آخر، ولقدّم إنجازاتٍ صادقةً مثمرة للمنهج العملي الكوني الباحث في المادة، لا فيما وراءها.

- إنّنا مطالبون، باسْم الله، بمعرفة علوم الكون والحياة، وافتتاح مغاليقها، والسبق فيها، وذلك كله نابعٌ من إعزازنا لربّنا، وحفاوتنا بصنعه، وتلبيتنا لطلبه أن نفكّر ونستنتج(5).

- مِن مواريثنا الباطلة أنّنا نصف علومَ الشريعة بالشرف، ونكاد نصمُ علوم الحياة الأخرى بالهوان، مع أنّ هذه المعارف كلّها سواءٌ في الدلالة على الله وخدمة دينه... إنّ التمكن من الدنيا أمرٌ لا بدّ منه في التمكّن للدين، ولا مكان في الدنيا لجاهل بمعارفها(6).

- إنّ الجهاد المثمر يحول الخيرَ من علوم نظرية، ومسالك فرديةٍ إلى حقائق ثابتة، وتقاليد عامة، ومناهج منظمة، وإلى جيلٍ يحتضن فكرة لتتلقّفها عنه أجيال(7).

هذه مقترحات لبرنامج الدعاة والوعاظ والخطباء في رمضان واجبهم أن ينبوا عليها أفكارهم وخطبهم ووعظهم من أجل إعادة بناء الشخصية الإسلامية في ظرف مهيأ تمامًا وهو شهر رمضان الفضيل.

الهوامش
  • 1 محمد الغزالي: الإسلام والطاقات المعطلة، ص237.
  • 2 محمد الغزالي: الإسلام والمناهج الاشتراكية، ص103.
  • 3 المرجع السابق، ص58-82 (بتصرف).
  • 4 محمد الغزالي: سر تأخر العرب والمسلمين، ص109.
  • 5 محمد الغزالي: الطريق من هنا، ص28.
  • 6 محمد الغزالي: ليس من الإسلام، ص174.
  • 7 محمد الغزالي: ليس من الإسلام، ص25.
الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة