وداع رمضان في ذاكرة المسلمين عبر التاريخ

يقف المؤمن في الليالي الأخيرة من رمضان متضارب المشاعر، فهو فرح باستقبال العيد بعد الصيام والقيام والصدقات، وفي ذات الوقت حزين القلب لوداع ليال طيبة وضيف عزيز لم يلبث أن رحل سريعاً، حيث بركات المساجد التي تصدح بالتراويح والتهجد والتلاوات الندية، وحيث بركة السحور والفجر والبكور، وحيث القلوب تتعلق بالله فتنشغل بالدعاء والرجاء في عفو الله.

ولم يكن المسلمون عبر التاريخ ينظرون لنهاية رمضان وكأنه مجرد شهر أتى ثم رحل، بل كان اختباراً للروح ينتظرون نتيجته، ماذا ترك بالروح؟ ماذا ترك بالنفس؟ ماذا ترك بالأخلاق والسلوك؟

ومن شرق الأمة لغربها، حفظت الذاكرة الإسلامية صورا مؤثرة في وداع الشهر الكريم، سجلها العلماء والمؤرخون والأدباء في مدن العالم الإسلامي بمساجدها وأسواقها التي تستعد للعيد، والقلوب التي تخشى أن يكون الشهر قد رحل قبل أن تبلغ غايتها، وفي السطور التالية سوف نرى كيف تحولت لحظة الفراق تلك إلى تقليد روحي وثقافي في الحضارة الإسلامية؟

أولاً: بغداد.. حين كانت الليالي الأخيرة مزيجا من العبادة والبهجة:

بغداد ولياليها وحضارتها وآثارها وأهلها وعظمة ثقافتها في العصر العباسي الذي كانت تمثل فيه أكثر المدن الإسلامية احتفاء برمضان باعتبارها عاصمة الخلافة الإسلامية آنذاك حتى وصف المؤرخون ليالي رمضان الأخيرة في بغداد بأنها كانت عامرة بالعبادة والأنوار.

ففي العشر الأواخر من رمضان كانت المساجد تمتلئ بالمصلين فيقيم الناس الليل بالذكر وتلاوة القرآن، وكان الاعتكاف في معظم مساجد المدينة، وكان لرمضان مكانة خاصة في الدولة العباسية من حيث تقديس الشهر الكريم باتخاذ إجراءات تسعد البسطاء من الناس، يقول د. سليمان عباس البياضي(1): لقد اعتنت الدولة العباسية شهر رمضان بزيادة الرواتب في رمضان، وصرف رواتب إضافية لأرباب الوظائف والحرف وحملة العلم والأيتام وغيرهم، ولقد كانوا يمدون الموائد لإفطار عامة المسلمين، وقد كان الخليفة هارون الرشيد يتنكر في شهر رمضان لمراقبة الأسواق وتفقد أحوال المسلمين، كذلك انتهج الخليفة المستنصر نفس الطريقة للاطمئنان على أحوال المسلمين خاصة في شهر رمضان.

وكان القضاة والفقهاء يخرجون لتحري هلال شهر شوال في آخر رمضان، فإذا ثبتت الرؤية أعلن القاضي ذلك رسميا في المساجد، فتتعالى تكبيرات الناس إيذانا بانتهاء الشهر واستقبال العيد

ثانياً: دمشق.. مدينة القرآن في ليالي الوداع:

وفي دمشق لم تقل ليالي رمضان روعة عنها في بغداد، حيث كانت المساجد الكبرى، وعلى رأسها الجامع الأموي، تتحول في العشر الأواخر إلى مركز للحياة الروحية في المدينة، وعن حياة سكان المدينة في رمضان يصفها المؤرخ ابن بطوطة الذي دخلها عام 726 ه قائلاً: في دمشق لا يفطر أحد من سكانها، البتة، حيث نجد طبقة الأمراء والأعيان، طبقة التجار، والعامة -ويقصد بهم عامة الناس من الفقراء والقادمين من البادية- يقيمون موائد الإفطار في قصورهم، والتجار يقدمون طعام رمضان، في بيوتهم ومنازلهم.

أما الفقراء والقادمون من البادية، فإنهم يفطرون في الساحات والمساجد، حيث يحضر كل منهم ما عنده من طعام، يضمه إلى مائدة جماعية يشارك فيها سكان الحي أو المنطقة(2)، وتحدث ابن بطوطة عن دروس العلم التي حضرها برمضان خلال رحلته إلى دمشق، فذكر أن دروس الفقه والحديث كانت تنتظم بالجامع الأموي خلال شهر رمضان ويحضرها جمع غفير من الفقهاء وطلاب العلم، وقد سمع جميع صحيح البخاري خلال أربعة عشر مجلساً، أولها يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان، وآخرها الثامن والعشرون منه، ووصف ليلة ختم القرآن بأنها: من أكثر الليالي ازدحاما، إذ يحضرها العلماء والتجار والعامة، ويطيل الإمام الدعاء فيبكي الناس، ثم يخرجون وقد امتلأت قلوبهم بمزيج من الخشوع والحزن على رحيل الشهر(3)، وقد كانت هذه الليلة تمثل لحظة روحانية جماعية تعكس عمق العلاقة بين المجتمع والقرآن في معظم المدن الإسلامية التاريخية

ثالثاً: الأندلس.. حين كان الوداع احتفالاً بالعلم والروح:

أما في الأندلس، فقد اكتسب رمضان طابعا ثقافيا وروحيا خاصا، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن المدن الأندلسية مثل قرطبة وإشبيلية وغرناطة كانت تشهد نشاطا واسعا في حلقات العلم والقراءة في رمضان، حيث كانت المساجد تمتلئ بالطلاب والعلماء الذين يجتمعون لقراءة القرآن والحديث، وكانت الليالي الأخيرة من الشهر تشهد ختم المصحف في حلقات عديدة داخل المسجد الواحد، وكان الشعراء يحتفون بمقدم الشهر ونهايته، ومن أمثلة ذلك ما كتبه الشاعر الأندلسي ابن الجنان الأندلسي(4) في وداع رمضان قال في مطلعها:

مضى رمضانٌ أو كأني به مضى

وغاب سناه بعد ما كان أو مضا

فيا عهده ما كان أكرم معهداً

ويا عصره أعزز عليّ أن أنقض

ألم بنا كالطيف في الصيف زائراً

فخيم فينا ساعة ثم قوضا

فيا ليت شعري إذ نوى غربة النوى

أبالسخط عنا قد تولى أم الرضا

قض الحق فينا بالفضيلة جاهداً

رابعاً: القاهرة.. ليالي الختم والدعاء في المساجد الكبرى:

وكانت القاهرة في العصرين المملوكي والعثماني مدينة نابضة بالحياة الرمضانية، وتشهد شوارع القاهرة القديمة اليوم على صخب الليالي الرمضانية في تاريخها الفاطمي والمملوكي، ومنه شارع المعز الذي يعد متحفا مفتوحا بتاريخ تلك الحقبة الزمنية، كذلك منطقتي الحسين وخان الخليلي والسيدة زينب والتي ما زالت تحمل الطابع التاريخي ورائحة الماضي العريق، وقد أورد المقريزى فى كتاب "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار طقوس عيد الفطر":

في الليالي الأخيرة من رمضان كان ختم القرآن حدثا مهما، إذ يجتمع الناس في الليلة التي يختم فيها القارئ المصحف، ثم يرفع دعاء طويل يشارك فيه الجميع بالبكاء والتأمين، ويستطرد في وصف احدى الليالي الأخيرة: وفي آخر يوم منه يعني شهر رمضان سنة ثمانين وثلاثمائة، حمل يانس الصقلبي صاحب الشرطة السفلى السماط، وقصور السكر والتماثيل، وأطباقا فيها تماثيل حلوى، وحمل أيضا عليّ بن سعد المحتسب القصور وتماثيل السكر(5).

وختاما، فإننا حين نتأمل تلك المشاهد التاريخية من بغداد ومرورا بدمشق والأندلس والقاهرة، وقياسا عليها يمكن تصور الوضع في سائر المدن التاريخية الإسلامية، ندرك أن رمضان كان ظاهرة حضارية كاملة، صنعت إيقاع الحياة في المجتمع الإسلامي، وكانت لحظات وداعه لحظات فارقة في علاقة الإنسان الدينية مع نفسه حيث يتساءل:

هل تغيرت حقًا في هذا الشهر؟

وهل سيبقى أثر رمضان في حياتي بعد أن يرحل؟

فإن بقي أثره في القلب والسلوك، فإن رمضان لا يكون قد انتهى، بل يكون قد تحول من شهر في التقويم إلى قيمة دائمة في حياة الإنسان.

الهوامش
  • 1 عضو اتحاد المؤرخين العرب في لقاء مع صحيفة الأهرام المصرية بتاريخ الثاني من مارس 2025.
  • 2 مركز جمال بن حويرب للدراسات تحت عنوان رمضان في كتاب الرحالة.
  • 3 رمضان في رحلة ابن بطوطة.. عادات وعبادات وحكايات لسماح عاطف عبدالحليم.
  • 4 إنه أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري القيسي المعروف بـابن الجَنان، ويرجع في نسبه إلى الصحابي الجليل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري.
  • 5 عيد الفطر في مصر بالعصر الفاطمي لعبد الرحمن حبيب.
الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة