وفاء ... رمز البطولة والفداء.. من قصص شهيدات الكويت في حرب التحرير

كانت الحياة هادئة وادعة، والناس مسالمين، يصبحون في نعمة ويمسون في نعيم، سَتْر الله يعمهم ورحمته تشملهم، لا عداوة في القلوب، ولا طمع في النفوس، ولا يتطلع أي منهم إلى ما عند الآخرين، فقط ينتظر مبادلة الحب بحب والسلام بسلام، هكذا كانت الكويت في أمانها واطمئنانها، ولم يدرك أهلها أن الجوار الذي أمنوا جنابه سيصبح هو صاحب الطعنة الغادرة، والطلقة الآثمة.

في تلك اللحظة التي تكاثفت فيها غيوم العدوان خَفَتَ ضجيج الحياة، واستحال الاطمئنان قلقًا والأمان خوفًا، صمت الجميع ولم تنطق إلا ضوضاءُ المجنزرات ولم يفصح إلا نعيب الطائرات، لم يكن صمت أهل الكويت صمت استسلام، بل صمت ذهول واستنكار، أن تأتي الطعنة من قابيل لأجل عَرَضٍ زائل، ومتاعٍ نافق.

لم يمض وقت طويل إلا واستفاقوا من ذهولهم، فاستجمعوا قوتهم وطاقتهم وقدرتهم على التفكير بعد التيه، والتخطيط بعد اضطراب الصدمة، ومن هؤلاء كانت عروس الجنة، الشهيدة وفاء العامر.

في أحد البيوت الكويتية الهادئة، كان كل شيء يبدو عاديًّا… الأثاثُ في مكانه، ستائر نصف مغلقة، تتسلل منها أشعة شمس تبث الأمل في النفوس أن الحرية لن يطول إسارها، وعلى الكراسي الخالية سكون لا يقطعه إلا صوت أنفاسٍ خافتة.

كانت وفاء تجلس في زاوية الغرفة، تحدّق في نقطةٍ بعيدة. لم تكن تفعل شيئًا، في شرودها بدت وكأنها في عملٍ لا ينتهي.

اقتربت أختها وجلست أمامها تراقب تيهها:

- لم تعودي كما كنتِ يا وفاء، ما الذي يشغل بالك إلى هذا الحد؟

لم تلتفت وفاء.. ردت على أختها بالكاد:

= وكيف كنتُ؟

- كنتِ دائما مرحة ولا تكفي عن الثرثرة. أنا أشعر بالوحدة حتى وأنت بجانبي بسبب هذا الشرود.

ابتسمت ابتسامة خفيفة:

= المرح يحتاج إلى بال هادئ، ووقت فارغ… ونحن لم يعد لدينا وقت.

سكتت الأخت، لكن شيئًا في داخلها يضطرب. لم تكن هذه وفاء التي تعرفها. كان هناك سرّ.. شيء خفيّ يتحرك في حياتها دون أن يُرى. 

لم يبدأ هذا الشرود والتفكير العميق لدى وفاء فجأة، بل تسلل إليها على مَهَلٍ.. في الأيام الأولى للغزو الغادر، كانت مجرد فتاة تراقب ما يحدث حولها، تحاول أن تفهم.

ثم، شيئًا فشيئًا، بدأت تشعر أن الفهم وحده لا يكفي.. لا بد من عمل ما.

في إحدى الليالي، عادت متأخرة. كان البيت غارقًا في الظلام، إلا من ضوءٍ خافت يتسلل من تحت باب غرفتها. أغلقت الباب خلفها، وجلست، وأخرجت من حقيبتها شيئًا صغيرًا، تأملته طويلًا.

"هل يمكن لشيءٍ كهذا أن يكون ذا أثر حقيقي؟" تمتمت. ثم أغمضت عينيها، كأنها تحسم أمرًا ظلّ معلقًا في تفكيرها مدة من الزمن.

في الصباح، بدا حالها مختلفًا. أصبحت هادئة أكثر من اللازم كأنها أغلقت بابًا في داخلها، وفتحت بابًا آخر لا يعرفه أحد.

بدأت تخرج كثيرًا. تقول إنها تزور صديقاتها، أو تقضي بعض الحاجات. ولم يكن في كلامها ما يُثير الشك لدى المحيطين بها، لكن التكرار نفسه كان كافيًا ليزرع سؤالًا في قلب أختها.

ذات مرة، حين همّت بالخروج، سألتها أختها فجأة:

- إلى أين تذهبين كل يوم؟

توقفت لحظة، ثم قالت بهدوء الواثق في سلامة موقفه وصواب قراراته:

= إلى حيث يجب أن أكون.

لم يكن الجواب شافيا لأختها.. بل يثير تساؤلات أكثر. 

كانت الطرقات التي تسلكها مكتظة بالعيون والبصاصين، والجنود الملاعين الذين أقاموا الحواجز المتتابعة، فتمرّ من بينهم بخفة الواثق من نفسه دون أن يبدر منها ما يثير الريبة، كانت تتبادل نظرات عابرة مع الجنود المتراصين كقطعان من الثيران البرية المتوحشة؛ ليبدو مرورها من حواجزهم عاديًّا، وتكمل طريقها كأنها لا تحمل شيئًا، ولا تضمر لهم سوءًا.

لكنها كانت تحمل في قلبها ثورة الانتقام، وفي سيارتها ما يمكن أن تلحق به أكبر ضرر في الأعداء. في كل مرة، كانت تشعر أن قلبها يسبقها بخطوة، وأن الزمن يتباطأ حين تقترب من الخطر. ومع ذلك، لم تتراجع.

ذات يوم كاد كل شيء أن ينكشف. توقف أحد الجنود في مواجهة سيارتها، وأشار إليها أن تفتح الحقيبة الخلفية.

نزلت ببطء، وقد تخدرت يدها كأنها فقدت الإحساس ليس خوفًا على حياتها بل خوفًا ألا تكمل مهمتها. سألها الجندي المحتل:

- ما هذا؟

= أغراض منزلية.

نظر إليها نظر المتشكك بعض الشيء، ثم أغلق الحقيبة بنفسه، ولوّح بيده:

- اذهبي..

عادت إلى السيارة، وجلست لحظات دون أن تتحرك، ثم انطلقت إلى وجهتها المعروفة لها تمامًا. كانت وهي في طريقها تسمع دقات قلبها بوضوح، كأنها صوتٌ رفيقة لها تبادلها الحديث:

"ليس الآن…ليس بعد." هكذا حدثها قلبها.

لكن ما كانت تفعله من قبل لم يعد يكفيها. لم تعد تقتنع أن تقوم بدور توصيل أدوات المقاومة ومتطلباتها إلى المقاومين، دورها في العمل الفدائي لا يقل أهمية عمن يشتبك مع العدو وجها لوجه، لكن كان هناك شيء في داخلها يدفعها إلى ما هو أبعد.

في إحدى الليالي الثقيلة على قلبها، جلست وحدها، تُحدّث نفسها: 

"إن توقفتُ هنا، ماذا سيتغير؟

وإن مضيتُ… ماذا سأخسر؟

هل يمكن أن أعود كما كنت؟

لا… لم يعد هناك عودة."

في اليوم التالي، اتخذت مع نفسها قرارًا لم تُعلنه، لكنه صار واضحًا في عينيها وهي تشاهد انعكاس صورتها في زجاج الشرفة الذي كانت تنعكس فيه حواجز المحتلين وهم يقبعون على مرمى البصر.

جاءت المهمة التي ستغيّر كل شيء. مكانٌ يعجّ بالجنود، وحقيبة محكمة الإغلاق، مليئة بالمواد المت.ف.جرة، دخلت المكان مثلما تدخل أي فتاة عادية، لا يلفت حضورها انتباه أحد. وضعت الحقيبة في موضعها الذي يجب أن تكون فيه لتحدث أكبر خسارة في أرواح جنود البغي والعدوان. نظرت حولها. الوجوه… الضحكات… الأحاديث العابرة… كل شيء كان طبيعيًّا، إلا ما تعرفه هي. خرجت ببطء. لم تلتفت. لم تُسرع. وعندما ابتعدت بما يكفي، دوّى انفجار هائل في المكان، علا صراخ من بقي من جنود العدو، لكنها لم تصرخ. وتكالبوا للهروب، لكنها لم تركض.. واصلت السير، كأنها لم تسمع شيئًا. لكن في داخلها، كان شيء قد انتهى… وشيء آخر بدأ.. أصبحت لديها الجرأة وقوة القلب التي تتيح لها وهي الفتاة الرقيقة الحالمة أن تنفذ بنفسها عمليات فدائية لتنتقم بها لوطنها.

وفي إحدى الليالي بعد تلك العملية الفدائية، التي كللها الله بالنجاح، جلست مع أختها التي لم تعلم جديا حتى ذلك الحين أنها تجلس مع بطلة فدائية جسورة - تحدثت معها بشيء من الأريحية أشبه بالفضفضة.

- أشعر أنني تعبت.

= من أي شيء تعبت يا وفاء؟

نظرت إليها، ثم خفضت رأسها قليلا.

- من الانتظار.

= أي انتظار؟

ابتسمت ابتسامة غامضة:

- انتظار ما سيحدث.

ساد الصمت. ثم أكملت بصوتٍ منخفض: 

- لو حدث لي شيء… لا تحزني.

ارتجف صوت الأخت:

= لماذا تقولين هذا؟

نظرت إليها طويلًا، كأنها تريد أن تحفظ ملامحها:

- لأن بعض الأشياء… لا يمكن الهروب منها.

لم يمر كثير من الوقت حتى هجم الجنود الملاعين هجومًا تتاريًّا على البيت الهادئ، اقتحموا الأبواب، وقلبوا المكان، ثم أصبحوا في مواجهتها، وهي أمامهم كالجبل الأشم الذي لا تؤثر فيه رياح عاتية أو أمواج صاخبة. لم تقاوم. لم تسأل. كأنها كانت تعرف أن هذه هي اللحظة التي حتما كانت ستأتي.

في الأيام التي تلت يوم القبض عليها من قبل قوات العدو، حاول المحققون الأجلاف أن ينتزعوا منها اعترافات عن عملها المقاوم، ومساعدتها للمقاومين؛ لكنها كانت أقوى في محافظتها على أسرار رفقائها من آلام سياطهم وكهرباء تعذيبهم، فجُنَّ جنونهم وهم يتفننون في تعذيبها إلى أن فاضت روحها الطاهرة إلى بارئها وهي تشهد على هؤلاء الأجلاف الذين افتقدوا كل معنى من معاني الشرف والكرامة وحفظ الجوار.

ظنوا أنهم أدركوا غايتهم منها بقتلها، فحملوا جسدها الطاهر وألقوه أمام بيتها وفروا كالجرذان المذعورة. تحررت الكويت ومات من مات وعاش من عاش وظلت ذكرى وفاء العامر تلهم الأجيال معاني الشرف والانتماء للوطن والإيمان بالحق والحرية.


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة