ثمَّ كذَّبوك يا محمد ﷺ (20)

وما زال التحدي قائماً

القرآن، هذا الدُّستورُ الإلهيُّ، وحده الذي يُبْدأ منه، ويُنْتهي إليه، هذا المحرر العظيم والوحيد لإرادة البشر وضمير الإنسانيَّة، ولا ندري إلى ما كانت ستؤولُ إليه حالُنا إن لم تطلعْ علينا شمسُه، ولم يشرق علينا أمسُه؟

القرآن، هذا الذي لا يُنَاظَر، ولا يُضارَعُ في حمل الضياء إلى النفوس، ويفتح الفكر والوجدان، ويمنحهما سراجاً وهاجاً، ويُلقي فيهما من غُيُوثِه(1)، وسيوغِه(2) عطاءً ثجاجاً، فيُريحُ قلوباً ظمأى بموفور السَّلْسَبيل.

يقولون: دائماً يأتي العظماء آخِراً.

وها نحن نأتي آخِراً بمعجزة القرآن الكريم، أعظم المعجزات الشريفة، بل أعظم معجزات الأنبياء بصفة عامة في آخر سلسلة «ثمَّ كذَّبوك يا محمد صلى الله عليه وسلم».

وفي البدءِ وددتُ لو قلت: لم يُخْلَق الكونُ عبثاً، وإنما له خالقٌ، وقد خلقنا عز وجل لعبادته؛ (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56)، وحق للخالق أن يُعْبدَ كما يريد هو أن يُعْبدَ؛ لذا اصطفى سبحانه وتعالى من خلقه من يُنَبِّئ عنه، وعن كيفيَّة عبادته، وعن ثواب من يؤمن بذلك ويطيع، وعقاب من يكفر بذلك ويعصي، ومن ثَمَّ كانت مهمة الأنبياء والرسل الإخبار عن الله تعالى، وإبلاغ وحيه إلى الناس.

ولأن الله يعلم أن الرسل سوف يجابهون من أقوامهم بالتكذيب، لأهواء في نفوسهم، وكيلا يدعي الرسالة دجال أيَّد عز وجل رسله بالمعجزات؛ (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)(3) (الحديد 25)؛ والمعجزة شيء خارق للعادة يجريه الله على يد رسول من رسله، وتكون مقرونة بالتحدي.

أي أن الله يجريها على يد الرسول، لتقيم الدليل على صدق رسالته، وتكون من جنس ما نبغ فيه قوم الرسول ليتحداهم فيما نبغوا فيه إذا كذَّبوه، مثل موسى عليه السلام، كان قومه قد نبغوا في السحر، فأعطاه الله الدلالة الكبرى على رسالته بتحويل يده بيضاء من غير سوء، وعصاه ثعباناً.

وعيسى عليه السلام كان قومه قد نبغوا في الطب، فأيده الله بمعجزة شفاء الأكمه، والأبرص، بل وإحياء الموتى بإذن الله.

معجزة القرآن الكريم

ومحمد صلى الله عليه وسلم كان قومه قد نبغوا دون غيرهم من الأمم السابقة في فن البلاغة والفصاحة، والحكمة وفصل الخطاب، وكانوا بحق كما قيل «فرسان الكلام»، وكان القرآن الكريم وسيظل بحق أكبر المعجزات، لأسباب منها:

أنه ذو إعجازٍ بيانيٍّ، حيث أعجز وقت نزوله فرسان الكلام، تحداهم بحسن تأليف كلماته وفصاحتها وبلاغتها، ووجوه إيجازها وكثرة معانيها، واحتوائها على كل بيان، فظهرت فصاحته عليهم، وبهرت بلاغته عقولهم، رغم شهرتهم بأنهم أرباب هذا الشأن، وقد تحداهم القرآن بجلاء موبخاً لهم، عندما ادعى بعضهم القدرة على قول مثله، فأعلن الله عز وجل التحدي للإنس والجن منذ ما يربو على 1400 عام -وما زال هذا التحدي قائماً- إنه يتحداهم هم وكل من يستقوون بهم؛ (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (هود: 13).

ليس هذا فحسب، ولكنها الثقة الربانية التي قللت التحدي من عشر سور إلى سورة واحدة؛ (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: 23).

ومن وجوه إعجازه البياني أيضاً نظمه المختلف، وأسلوبه المغاير لأساليب كلام العرب، حيث احتارت فيه عقولهم فلا هو بالنثر أو النظم المألوف، ولا بالسجع أو الشعر المعروف؛ (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ {40} وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ {41} وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) (الحاقة).

وإنه ذو إعجاز غيبيّ، فلو استمعنا للآية: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: 24) لسمعناها تُصرِّح يقيناً بأنهم لم يفعلوا الآن، ولن يفعلوا بعد ذلك مهما امتدت بهم القرون، ولكنها تُجلي لهم عاقبتهم.

وإنه انطوى على الكثير من أخبار الغيب والأمور المستقبلية، التي عرفها التاريخ وعرفناه منه كما وصفها القرآن، ولأننا لسنا بصدد الحديث عن الإعجاز القرآني بصفة عامة، فسوق أسوق من ذلك مثالاً واحداً من الأمثلة الكثر ذوات العدد، يقول تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ {2} فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ {3} فِي بِضْعِ سِنِينَ) (الروم)، وفي الآيات يشير القرآن إلى هزيمة الروم، وبإعجازٍ فوق إعجازٍ يقول عز وجل: (فِي أَدْنَى الْأَرْضِ)؛ وأدنى الأرض؛ أي أخفض مكان في الأرض، وهو الذي وقعت فيه المعركة بين فارس والروم، وهذا المكان في فلسطين، وعندما سُئِل بارما(4): ما أخفض مكان في الأرض؟ أحضر مجسماً للأرض، عليه سهم يشير إلى مكان بجوار البحر الميت(5)، وقد كُتب عليه: أخفض مكان في الأرض، وعندما استمع إلى ترجمة الآيات (غُلِبَتِ الرُّومُ {2} فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ)، اندهش بشدة، وجعل يتساءل ويسأل من حوله! ثم قال: نعم، إن ذلك يقود إلى أن الله قد أرسل هذا عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم(6).

وعَوْداً للآيات نقول: وبيَّن القرآن أن انتصار الروم على الفرس سيكون «في بضع سنين»؛ والبضع كما هو معلوم من ثلاثٍ إلى تسع سنين، وقد كان وغلبت الروم فارس في مدة تتراوح بين الثلاث إلى التسع سنين.

وإنه لذو إعجاز علمي، إذ أخبر عن الكثير من الحقائق التي لم تُكتشف إلا حديثاً، ومضرباً للمثل قوله: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (الأنبياء: 30)، هذه الحقيقة لم تكن معلومة في العهد النبوي الشريف، ولكن العلم الحديث وبعد تطور علمي الكيمياء والأحياء أثبت أن الماء هو المكوِّن الرئيس للحياة، ولا يمكن لكائن حي البقاء بدونه؛ لأن كل خلية حيَّة تحتوي عليه، وأن نسبته في جسم الإنسان وأجسام كثير من الكائنات نحو 70%.

وإنه لذو إعجاز تشريعيّ، لأنه الآية الوحيدة الخالدة، والمشهودة من معجزات الأنبياء، فكل معجزاتهم كانت حسِّيّة انتهت معهم وبهم، أما القرآن فلم يكن معجزة فحسب، بل كان إعجازاً تشريعياً يشمل دستوراً ذا نظم عادلة وصائبة لشتى مناحي الحياة؛ لذا فهو باقٍ يتحدى ما بقيت على الأرض حياة، وإن للعيون لنظرات، وإن للقلوب لنبضات عاينوا هذا الإعجاز وذاك.. ثمَّ كذَّبوك يا محمد.

ومن إعجازه أن الله تكفَّل بحفظه؛ لأنه كلامه سبحانه، بل إنه كلمته الأخيرة إلى عباده؛ (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9)، فهل يظُنُّ ظانٌّ أن معنى حفظ الله لكتابه هو حفظه من مخبول يقوم بحرق مجموعة من الورق، ويظن أنه حرق القرآن؟! حقاً، إن من يُدفع به إلى النفاق من نفسه أو من غيره يمتلك الكثير من الحجج الخائبة، فالمُخادع بالفطرة يزيغ عن الطريق السويّ دائماً، ويُبْدي سلوكه تَشَعُّب الطُرق في عينيه وقلبه، وإن كانت طرقاً مسدودة لا تصلح إطلاقاً للسير عليها.

إن معنى حفظ الله للقرآن أنه لم ولن يُضاف إليه حرف أو ينتقص منه آخر، ولم ولن يستطيع أحد أن يُغَيِّر من معانيه، فهو محفوظ بمعجزاته ودلائله، وأحكامه وآدابه، وتعاليمه وتذكيره، حيث حفظه الله في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم حين أنزله عليه، واليوم تجده محفوظاً في صدور أناس فرشوا أرواحهم طرقاً لكلماته ومعانيه، وأحكامه وتعاليمه، وتجد الملايين منهم يحفظونه ويتلونه غيباً عن ظهر قلب، فهو ليس كالكتب السابقة التي وكَّل الله للخلق حفظها فحرَّفوها طبقاً لأهوائهم، ولأن القرآن هو الكتاب الأخير لكل العالمين فقد تعهَّد سبحانه بحفظه.

يا من شككت في القرآن، لئن كان الشك المقيت قد خيم بظلاله على حياتك الكئيبة، ورفع صوته حتى قمع صوت ضميرك، فادفع ضميرك للأمام ولا تجعله يتراجع أمامه إلى الخلف، فإن من يستمرئ التراجع يحكم على نفسه بالشقاء، ولن يقدر على دفع ضميرك الدفعة المنشودة والدائمة إلَّا الحيادية والنزاهة عندما تقرأ القرآن بضمير يقظ، وقلب فاقه(7).

قلنا: إن التحدي ما زال قائماً منذ العهد النبوي الشريف وحتى وقتنا هذا، فإن كان المتحدي شريف الغرض، نزيه الغاية فليجمع كل أمثاله ونظائره، أشباهه وأترابه، أساتذته وتلاميذه وليقبلوا التحدي، حينها سيتبدَّى لهم حجمهم أمام هذا العملاق الذي لا تحدّ صدقه ولا صراحته حدود، ولا تعرف بلاغته أو فصاحته ردود، ولا تأبه قوته أو قدرته بسدود.. ثم وكذَّبوك يا محمد.

اقرأ أيضاً
سلسلة ثم كذبوك يا محمد 

 

___________________

(1) جمع غيث، وهو المطر الغزير، والمراد هنا من خير القرآن، معانيه العظيمة، وعلومه الوفيرة.

(2) جمع سائغ، والمراد أن ما يلقيه القرآن في النفس سهل سلس، ونافع مريح.

 (3) الآيات والمعجزات.

(4) هو رئيس اللجنة التي أشرفت على الاحتفال المئوي للجنة الجيولوجيا الأمريكية.

(5) يتساوى مستوى البحار على الأرض، إلا أن البحر الميت ينخفض 380 متراً تحت مستوى سطح البحار، انظر: «الإسلام هو الحق.. الأدلة القاطعة»، إعداد: مجدي عبدالباقي شريف.

(6) المرجع السابق.

(7) به فقه وفهم.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة