و يمكرون و يمكر الله
والله خير الماكرين
بعد عامين كاملين من «طوفان الأقصى» كان
واضحاً أن المقاومة في غزة، وأن شريط غزة المحاصر لم يكونا يواجهان الكيان وحده في
الميدان، رغم أن فارق القوة لا يمكن أن يقارن، وإنما كان هذا القطاع المحاصر وبضع
عشرات الآلاف من الرجال الذين لا يملكون طائرة ولا دبابة وإنما بأسلحة خفيفة
صنعوها وفي الأنفاق كانوا يواجهون الغرب الأوروبي والأمريكي كله.
فقد فضحت «طوفان الأقصى» ذلك تماماً؛ فكان
حضور بايدن ووزير دفاعه وقيادات جيشه اجتماعات مجلس حرب العدو واستجلب لهم بايدن
أحد مجرمي حربه الذي كان مسؤولاً عن اقتحام وتدمير الموصل أثناء حرب العراق.
وكان الحضور السريع لماكرون فرنسا، ومستشار
ألمانيا، وغيرهما من قادة أوروبا للكيان، وإعلانهم جميعاً دعمه فيما يسمونه الدفاع
عن النفس، وكان ماكرون هو أول من أعفى الكيان عن مسؤوليته في تدمير المستشفى
المعمداني رغم خلفيته المسيحية، واتهام «الجهاد الإسلامي» بذلك، وهو الحادث الذي
قتل فيه أكثر من 500 من الأطفال والنساء وكان باكورة حرب الكيان على المستشفيات.
وكانت مشاركة القوات الخاصة الأمريكية «دلتا»
المتخصصة في البحث عن الرهائن واستكشاف الأنفاق، ثم حضور حاملات الطائرات أمام
سواحل غزة وإحضار كل أنظمة الدفاع الجوي لتشكيل مظلة تحمي الكيان من الصواريخ.
وكانت مشاركة طائرات الاستطلاع
البريطانية يومياً في البحث عن الأنفاق وتحديد مواقع الأسرى.
وكان فتح مخازن السلاح وإمداد الكيان
المجرم بكل أسلحة الدمار من جميع دول أوروبا بلا استثناء.
وكان تبني رواية الاحتلال ومنع إدانته في
المؤسسات الدولية واستخدام حق النقض «الفيتو» لمنع توقف الحرب.
وكانت التشريعات في معظم دول الغرب التي
تجرم دعم الفلسطينيين وتجرم أي معاداة للكيان وتعتبرها معاداة للسامية واستوى في
هذه المواقف اليمين واليسار والديمقراطيون والجمهوريون.
وكانت جبهة الإعلام حيث تخلت وسائل إعلام
عريقة عن مصداقيتها ومهنيتها وأخلاقيتها وتحولت إلى أبواق لجيش الاحتلال تنشر
أكاذيبه وتبرر جرائمه وتقلل مما يحدث للأطفال والرضع والنساء، وتفصل وتبعد كل مَن
لا يتبنى هذا من مراسليها وكتّابها.
ولو ذهبنا نفصل في هذا لن تكفي الصفحات،
وعيبنا الأزلي أننا ننسى أو تنسينا الجرائم الجديدة الجرائم القديمة.
حتى الدول التي رفعت صوتها وهاجمت الكيان
مثل إسبانيا كانت وإلى شهور مضت تفتح موانئها للسفن التي تحمل السلاح للعدو.
ومع هذا، صبرت غزة وقاومت وكسرت أنف
العدو ومنعته من الوصول إلى أسراه؛ ما اضطره إلى ما أعلنته المقاومة مراراً: لن
تصلوا إلى الأسرى ولو فتشتم كل رمال غزة.
وكان تدبير الله عز وجل عظيماً بعد ما
بذل من جهد وعرق ودماء، وما قُدّم من تضحيات، أنه سبحانه فضح هذا النفاق والتواطؤ
الغربي أمام شعوب الغرب ذاته؛ فانتفضت هذه الشعوب وملأت الساحات والميادين وضغطت
على القادة والسياسيين بشكل أصبح يهدد بزوال الطبقة السياسية كلها، وانتشرت
المظاهرات والإضرابات في المدارس والجامعات، وأصبح الكيان ولأول مرة في تاريخه
منبوذاً من الأغلبية خاصة في أجيال الشباب، وتحولت حفلات الغناء إلى دعم لغزة، وانضم
الآلاف من ممثلي وفناني هوليوود إلى حملات التضامن مع غزة، وحوصرت وقوطعت الشركات
الداعمة للكيان في كل مكان.
هذه الساحة الأخيرة لم يكونوا يحسبون لها
حساباً، ولا يستطيعوا أن يعدوا لها عدة بعد أن أصبحت غزة تحاصرهم وتنزع عن وجوههم الأقنعة
الزائفة عن التمدن والحريات وحقوق الإنسان وتردهم إلى همجيتهم وبربريتهم التي أخفوها
قروناً من الزمان؛ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً