في ذكرى «النكبة»..

يهود يرفضون الكيان الصهيوني وعرب يسارعون للتطبيع!

أحمد جمال

14 مايو 2026

36

يهود يرفضون الكيان الصهيوني وعرب يسارعون للتطبيع!

في 14 مايو 1948م، أُعلن عن قيام ما سُمِّي بدولة «إسرائيل» على أرض سُرقت وشعب هُجِّر.

77 عاماً مرّت، والجرح لم يندمل، لكن ثمة مفارقة صارخة تفرض نفسها في هذه الذكرى، فبينما يتسابق بعض العرب على التطبيع مع هذا الكيان، يرفضه يهود من داخله ومن خارجه؛ دينياً وأخلاقياً وسياسياً.

فمن هم هؤلاء اليهود الرافضون لوجود الكيان الصهيوني؟ ولماذا يرفضون ما يسارع إليه بعض العرب؟ وهل يجوز لمن يناضل من أجل فلسطين أن يستفيد من أصواتهم؟ وماذا يقول وجودهم عن كيان يدّعي تمثيل اليهود جميعاً؟

رفض ديني

حركة ناطوري كارتا، التي يعني اسمها بالآرامية «حارس المدينة»، تأسست عام 1935م من يهود محافظين سكنوا فلسطين قبل قيام الكيان، ويبلغ تعدادها نحو 5 آلاف عضو موزعين بين القدس ولندن ونيويورك.

موقفهم حاسم: قيام «إسرائيل» قبل مجيء المسيح المنتظر يخالف التوراة ذاتها، وعلى جدران معابدهم عبارة لا تقبل التأويل: «اليهودية والصهيونية ضدان لا يلتقيان».

وقد ذهب أحد قادتها موشيه هيرش إلى حد المشاركة في حكومة ياسر عرفات وزيراً للشؤون اليهودية، ويقول زعيمها الحاخام مئير هيرش: إنشاء «إسرائيل» ينتهك العقيدة اليهودية نفسها، فـ«إسرائيل» ليست دولة، وإنما نظام إجرامي سيطر على الشعب اليهودي بالإرهاب والقوة.

رفض تراثي

جماعة «هعيدا هحريديت» التي تأسست عام 1921م تمثل تياراً من اليهود المتشددين المعارضين للصهيونية من منطلق التمسك بالتراث اليهودي الأصيل، وأبناؤها لا يتحدثون العبرية لأنها تمثل في نظرهم لغة الصهاينة لا لغة التوراة، ويمتنعون عن المشاركة في انتخابات الكنيست اعتقاداً بأن المشاركة فيها محرّمة، موقفهم الجوهري: آباؤنا لم يناضلوا من أجل دولة يهودية على حساب شعب آخر، ولا يحق لنا تغيير هذا التراث.

رفض شعبي

منظمة «الصوت اليهودي للسلام» حركة يهودية أمريكية تنشط في الجامعات الأمريكية وتعمل على تشويه العلاقة بين يهود أمريكا و«إسرائيل».

وكانت قد دعت إلى سحب الاستثمارات من الشركات الداعمة للاحتلال، وشاركت في أسطول الحرية لكسر حصار غزة، وتتبنى إستراتيجية العزل الدولي الكامل لـ«إسرائيل».

وفي عام 2024م، نظّم ناشطوها احتجاجاً داخل مبنى الكونغرس الأمريكي وارتدوا قمصاناً حمراء كتب عليها «ليس باسمنا.. اليهود يقولون: أوقفوا تسليح إسرائيل».

كذلك تلتزم الشبكة اليهودية الدولية لمناهضة الصهيونية في ميثاقها التأسيسي بتفكيك نظام الفصل العنصري «الإسرائيلي»، والسعي لعودة اللاجئين الفلسطينيين، وإنهاء الاستعمار «الإسرائيلي» لفلسطين.

وكانت الشبكة قد نظّمت احتجاجات في عشرات المدن الأمريكية والأوروبية، ووقفت صراحة مع المقاومة الفلسطينية في كل مراحل صراعاتها مع الكيان.

رفض فكري

لا يقتصر الرفض اليهودي على الحركات الدينية، بل يمتد إلى مفكرين وأكاديميين يهود تركوا بصمة عميقة في النقاش العالمي.

المؤرخ إيلان بابيه يقول في كتابه «عشر خرافات عن إسرائيل»: إن الكيان قائم على أكاذيب منهجية من أسطورة «أرض بلا شعب» إلى ادعاء الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ويصف «إسرائيل» بأنها مشروع استعماري استيطاني تكرّس لمهمتين؛ نزع السمات الإنسانية عن الفلسطينيين، وتطهير فلسطين منهم، وخلاصته أن الكيان يعيش فصله الأخير لأن الإبادة ذاتها الشرخ الأساسي في بنيانه.

أما البروفيسور ليه ليفيداو، فيكشف التناقض الجوهري في المشروع الصهيوني قائلاً: مؤسسو الحركة الصهيونية كانوا ملحدين، ثم احتاجوا إلى نص توراتي لتبرير طرد الفلسطينيين، فاستخدموا ديناً لا يؤمنون به لخدمة مشروع سياسي، وقد عارضت الفروع اليهودية الأرثوذكسية هذا التوظيف منذ البداية معتبرةً إياه تدنيساً صريحاً للقدسية.

وديفيد كانون، رئيس منظمة «يهود من أجل فلسطين»، يقلب المعادلة رأساً على عقب، حينما يقول: دعم الغرب للحركة الصهيونية كان معاداة للسامية في أبهى صورها؛ لأن الغرب لم يرغب في استقبال اليهود في بلاده فدفعهم إلى أرض غيرهم.

ويحمل الكاتب اليهودي إسرائيل شاحاك دليلاً من التلمود ذاته على بطلان المشروع الصهيوني، إذ يستشهد بنص يُلزم اليهود بثلاثة: ألا يتمردوا على من يعيشون بينهم، وألا يهاجروا جماعياً إلى فلسطين قبل مجيء المسيح، وألا يُلحّوا في الصلاة لتعجيل قدومه.

رؤية بديلة

يحمل أودي راز، عضو مجلس إدارة الصوت اليهودي من أجل السلام العادل، رؤية يعبّر عنها بقوله: أحلم بدولة واحدة من نهر الأردن إلى البحر المتوسط تضم اليهود والمسلمين والمسيحيين، تساوي بينهم في الحقوق والواجبات، فاليهود كانوا يعيشون في فلسطين وفي كل الدول العربية ولم يمنعهم أحد، أما «إسرائيل» فعقيدتها أنها دولة لليهود فقط، وهذا هو الفارق الجوهري.

مفارقة كاشفة

وهكذا يجتمع داخل المشهد في 14 مايو من كل عام، أمر يصعب تفسيره؛ يهود في لندن ونيويورك والقدس يحملون لافتات «أوقفوا إسرائيل»، ومؤرخون يهود يكتبون كتباً تُثبت زيف الرواية الصهيونية، وحركات يهودية دينية تؤكد أن قيام «إسرائيل» خطيئة توراتية، وفي المقابل يسارع عرب ومسلمون إلى التطبيع مع الكيان ذاته، والوقوف في صفه، والدفاع عن سرديته!

هذا التناقض كاشف لا مصادفة؛ يكشف أن المسألة ليست دينية بين إسلام ويهودية، ولا حضارية بين شرق وغرب، بل هي مسألة حق وعدل وأرض مسروقة، يعرفها كثير من اليهود أنفسهم ويُعلنونها، ويتجاهلها بعض من يدّعون النضال باسم العروبة والإسلام.

إن الذين يرفضون هذا الكيان بأصواتهم في شوارع العالم ليسوا عرباً فقط؛ بعضهم يهود يقولون بوضوح: «ليس باسمنا»، فهل يسمع من يُسارع إلى التطبيع وتبني سردية الصهاينة؟!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة