نموذج لإيجابية المسلم في مجتمعه..

يوسف عليه السلام وإنقاذ مصر من المجاعة

ضرب القرآن الكريم مثلاً للتخطيط السليم الذي قام على أسس منطقية، فأمكن بذلك تلاقي مجاعة كانت تهدد الناس في مصر ومن حولها بسبب التخطيط السليم الذي قام به يوسف عليه السلام وهو أمين على الخزائن، وذلك حين فسر الرؤيا التي جاءت على لسان ملك مصر.

إن يوسف عليه السلام فسر الرؤيا وزاد عليها بأن قدم خطة عمل تستغرق القطر كله والشعب المصري كله؛ أي أن خطته اعتمدت على التشغيل الكامل للأمة والبرمجة الكاملة للوقت، ثم التشغيل الكامل لطاقة كل فرد في الأمة، وهذا الذي أراده يوسف عليه السلام وعبر عنه بقوله: «تزرعون».

إن الذي يخطط له يوسف عليه السلام هو مضاعفة الإنتاج وتقليل الاستهلاك، لأن الأزمات والظروف الاستثنائية تحتاج إلى سلوك استثنائي، ولأن سلوك الناس في الأزمات غير سلوكهم في الظروف العادية (استرخاء وبطالة)، فإن هذه الأمة تكون في حالة خلل خطير يحتاج إلى علاج ومعالج خبير. (سورة يوسف دراسة تحليلية، د. أحمد نوفل، ص409).

إنّ يوسف عليه السلام قسم خطته إلى 3 مراحل:

1- (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا) (يوسف: 47).

2- (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ) (يوسف: 48).

3- (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (يوسف: 49).

وتظهر ملامح هذه الخطة في الآتي:

1- الطابع الغالب على المرحلة الأولى وهو الإنتاج والادخار مع استهلاك محدود، فيوسف عليه السلام حدد خطط الإنتاج بالزراعة، وحدد استمرار الإنتاج الزراعي سبع سنين العمل فيها دائب لا ينقطع، ومع هذا الجهد الكبير في الإنتاج المستمر كان هناك تحديد واضح للاستهلاك، يبدو في قوله: (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُون) (يوسف: 47)، وأمر يوسف بحفظ السنابل المخزونة من الغلال كاملة كما هي: (فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ) (يوسف: 47).

2- فإذا ما انتهت سنوات الإنتاج السبع، بما فيها من جهد متصل دائب، واستهلاك محدود كان على الخطة أن تقابل تحدياً ضخماً هو توفير الأقوات سبع سنين عجاف، وبعبارة أخرى: بعد الإنتاج والجهد الدائب في المرحلة الأولى سيأتي تحمل أيضاً في المرحلة الثانية، وهو تحمّل يحتاج إلى تنظيم دقيق يصل فيه الطعام إلى كل فم.

3- ومع هذا التحمل والتنظيم الدقيق، ينبغي ألا تأتي هذه السنوات العجاف على كل المدخرات وإنما كان يوسف واضحاً في قوله: (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ) (يوسف: 48)، فكان هذا الجزء المدخر «الخميرة» التي تستطيع بها الأمة أن تقابل متطلبات البذر الجديد بعد السنوات العجاف؛ أي إعادة استثمار المدخرات، ومن طبيعة التطور أن تختلف «تفاصيل الصورة»، ولكن أساسها سيظل قائماً عميقاً في ديننا وتراثنا. (مواقف إسلامية، د. عبدالعزيز كامل، ص83-86).

وتظهر معالم التخطيط والإدارة في كلمات يوسف عليه السلام، حيث إن التخطيط يعتبر وظيفة أساسية من وظائف الإدارة التي لا يمكن لها أن تكون فعالة بدونها، كما أن التخطيط في حقيقته يعتمد على دعامتين و5 عناصر، أما الدعامتان، فهما التنبؤ والأهداف، وأما العناصر فهي السياسات، والوسائل، والأدوات، والموارد البشرية والمادية، والإجراءات والبرامج الزمنية، والموازنة التقديرية التخطيطية.

إن كتب علم الإدارة والتخطيط الحديث تقول: أنه لا إدارة فعالة إلا بتنظيم ووفق تخطيط سليم مسبق، وهذا عين الذي زاوله يوسف عليه السلام، لقد جاء إلى الحكم يوم جاء وبرنامجه الإصلاحي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتربوي والإعلامي والزراعي، كل ذلك في ذهنه قد أعد إعداداً دقيقاً. (فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم، ص279).

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة