الأقلِّية المفسِدة في المجتمع المسلم
الفساد آفة تقضي
على القيَم وتهدِّد المجتمع وتكون آثاره مدمِّرة في مختلف المجالات، وهو السبب
الكبير في نهاية الفرد وفي تغيير المجتمعات والدول والحضارات، لأن بقاء أي أمة
إنما يكون بأخلاقها وقيَمها السامية، ووجود الفساد دليل على تآكل تلك القيم حتى
التلاشي، والفساد يعني خروج الشيء عن الاعتدال، وهو ضد الصلاح والمفسدة خلاف
المصلحة(1)، ولا يقتصر أمر الفساد على جانبٍ دون آخر، بل قد يكون
الفساد أخلاقياً أو عقدياً أو إدارياً أو مالياً أو سياسياً، والمهم أنها كلها
تستهدف منظومة القيَم الفاضلة والمنهج الرباني القويم.
خطورة الأقلية المفسِدة على المجتمع
تجد اختلاف
الناس أمراً طبيعياً في ظل مجتمع جامع لمصالحهم وأمور معاشهم، وما ليس طبيعياً هو
سلوك أفرادٍ من المجتمع أو جماعات طُرقاً خبيثة تستهدف أخلاق المجتمع وتعكِّر معاش
الناس، بسبب مصالح شخصية أو حسابات شيطانية.
ويكمن الخطر في
سكوت المجتمع عن تلك السلوكيات أو الغفلة عنها، فذلك يؤدي إلى عموم الضرر، كما
يكون الخطر أكثر كلما كان لأولئك الأفراد أو المجموعات تأثير، وهذا ما بيَّنه الله
عن رهط قوم صالح؛ (وَكَانَ
فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) (النمل:
48)، وأولئك الرهط كانوا رؤوس قومهم ودعاتهم إلى الضلالة والكفر والتكذيب،
وآل بهم الحال إلى أنهم عقروا الناقة وهمُّوا بقتل نبي الله صالح(2)،
ومن أدوات تأثير الأقليات اليوم؛ المال والإعلام والنفوذ السياسي والتحالف مع قوىً
خارجية.
وسائل إفساد الأقلية في المجتمع
تتعدَّد وسائل
الشر وحبائل الشيطان، وحينما لا يكون همُّ الأشرار إلا خدمة مصالحهم؛ فإنه لا
يردُّهم شيء عن فعل كل ما هو مُنكر ومُضِر بالمجتمع وأفراده، ومن أهم الوسائل التي
يستخدمونها من خلال التأثير الإعلامي واستغلال النفوذ واستغلال مساحات الحرية:
- نشر الشبهات
الفكرية والعقدية.
- الطعن في
القيَم والثوابت.
- تزييف
الحقائق.
- نشر الانحلال
الأخلاقي والسلوكي باسم الحرية.
- تأجيج
الصراعات الداخلية.
- التلاعب
بالمفاهيم (العدل، الحقوق، التعايش..).
نماذج ذكرها القرآن من إفساد الأقليات
ذكر الله تعالى في
القرآن أكثر من نموذج لإفساد مارسَتْه أقليات في مجتمعات كانت تعيش في أمنٍ وسلام
وصلاح، وبعضها تسبَّب في انقلاب حال المجتمع إلى ما هو أسوأ، خصوصاً حينما يسكت
أفراد ذلك المجتمع عن تلك القِلَّة أو يغفلون عمَّا يفعلون.
ومن ذلك قوم سبأ
الذين أفسدوا نعمة جماعية، كما ذكر الله الملأ في الأقوام السابقة وهم أكابر القوم
ورؤساؤهم، ومَن كانوا يتولَّون التكذيب ونشر الأباطيل وإيذاء الأنبياء والصالحين،
وكان ذلك سبباً لهلاك الناس وعذابهم، فأخذَ الله مَن فعَل الشر ومَن سكت عنه، وليس
الله بغافل سبحانه (وَإِذَا
أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا
فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (الإسراء: 16)؛ أي:
سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتُهم بالعذاب(3).
كما في قوله
تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا) (الأنعام: 123)،
فقد تكون تلك المجموعات أقل عدداً وأكثر خطراً وأشد ضرراً على المجتمع، ولذلك قال
الله تعالى مبيناً حكمته من كراهية انبعاث المنافقين مع المسلمين: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا
زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) (التوبة:
47)، أراد الله سلامة المسلمين من أضرار وجود هؤلاء بينهم، والخبَال الفساد
وتفكُّك الشيء الملتئِم، فالمنافقون يبذلون جهدهم لإيقاع التخاذل والخوف بين رجال
الجيش وإلقاء الأخبار الكاذبة عن قوة العدو(4).
والمشكلة هي
حينما يجد هؤلاء من بعض أفراد المجتمع أذناً صاغية أو قبولاً لكلامهم أو لأفكارهم
أو لمُدخلاتهم؛ (وَفِيكُمْ
سَمَّاعُونَ لَهُمْ) (التوبة: 47)، بل تكون المشكلة أكبر حينما يطيع أفراد
المجتمع هؤلاء؛ (فَاسْتَخَفَّ
قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (الزخرف: 54)،
استجهل قومه فأطاعوه لخفة أحلامهم وقلة عقولهم(5).
وقد حذَّر النبي
صلى الله عليه وسلم المجتمع من قبول الشر أو السكوت عن أصحابه، وحينما سألته أم
المؤمنين زينب بنت جحش: يا رَسولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟
قالَ: «نَعَمْ؛ إذَا كَثُرَ الخَبَثُ»(6)، والخبَثُ لا يكثُر في ظلِّ
وجود مجتمعٍ مسلم يحضر فيه الصالحون المصلحون.
دوْر الإسلام في مواجهة فساد الأقلية ودور المجتمع الصالح
جاء الدين
الحنيف بما يصلِح الناس في معاشهم ومعادهم، وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
«بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ»(7)، لأنه بالأخلاق الحسنة والسيرة
المستقيمة يكون الصلاح في كل شيء.
وقد حذَّر الله
تعالى من الفساد بأنواعه ومِن المفسدين وأفعالهم، فقال: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) (الأعراف
56)، (واللهُ لا يُحِبُ الفَسَاد) (البقرة: 205)، (إنَّ اللهَ لا يُحِبُ
المُفْسِديْن) (القصص: 77).
وجعَل الله
تعالى كل فردٍ مسؤولاً عن أفعاله في الدنيا والآخرة، وحين يقع الفساد من فردٍ أو
من أقلية في المجتمع المسلم؛ فإن الإسلام لم يكتفِ بالرفض، بل وضع حلولاً عملية
لمواجهته، ويحمِّل الأغلبية الصالحة مسؤولية الإصلاح وعدم السكوت، وقد قال صلى
الله عليه وسلم: «مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ
يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ
الإيمانِ»(8)، ومن الخطوات العملية التي لا بد للمجتمع أن يقوم بها
إزاء فساد فردٍ فيه أو أفراد أو مجموعات؛ ما يلي:
- الالتزام
بالقيَم الإسلامية والاعتزاز بها، مما يضعف الشر وتأثير المفسدين.
- الالتفات
لتربية الأولاد وعدم إغفال تعليمهم وتعويدهم على السلوك الصحيح ومراقبة الله وقيَم
الدين الحنيف.
- دعم المبادرات
الإصلاحية وتشجيعها وتشجيع أصحابها.
- الدفاع عن
الحق والعدل بإعلانه وبيانه.
- الوقوف صفاً
واحداً ضد الفساد والإفساد.
- التعريف
بالفساد من باب الحذر منه ومن أهله وبيان خطره.
- النصيحة
بالحسنى لمن حاد عن الطريق القويم والسعي لإصلاحه.
- عدم تعميم
أخطاء الأقلية على الجميع أو على الدين.
- إظهار أن
الفساد سلوك أفراد لا منهج أمة.
- الحذر
والانتباه من دسائس الأعداء وخطوات المنافقين والشياطين الساعين لتفريق الصف
المسلم.
- الحزْم والأخذ
على يد المفسِد بما يردعه حينما لا يجدي معه إلا ذلك.
________________
(1) معجم متن
اللغة.
(2) تفسير ابن
كثير.
(3) تفسير
الطبري.
(4) التحرير
والتنوير.
(5) تفسير
القرطبي.
(6) رواه البخاري،
ومسلم.
(7) صحيح الجامع.
(8) صحيح مسلم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً