10 دوافع تجعل المسلم شجاعاً وقت المحن

عزة مختار

19 أبريل 2026

59

عن أنس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس، ولقد فزع أهل المدينة وكان النبي صلى الله عليه وسلم سبقهم على فرسه» (رواه البخاري)، فالأمة التي تريد رفع راياتها بين الأمم وتحمل على عاتقها مهمة سماوية راشدة تبتغي بها هداية البشر لا يمكن أن تكون جبانة، مغمورة، تهاب الوغى والنوازل، بل يجب أن تكون عزيزة، صلبة، لا تلين أمام متجبر، ولا تضعف لمعتد، إنها أمة شجاعة مقدامة.

الحث على الشجاعة

الشجاعة شدة القلب عند البأس(1)؛ وهي الإقدام على المكاره والمهالك عند الحاجة إلى ذلك، وثبات الجأش عند المخاوف، والاستهانة بالموت(2).

وقد حث الإسلام على التخلق بالشجاعة والتحلي بها في كل وقت خاصة أوقات النوازل، فلا يجزع ولا يهرب، فحين لقاء العدو يجب أن يتحلى بالثبات، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ {15} وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (الأنفال)، وفي رد العدوان عن النفس وعن المسلمين يقول تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190).

وكل ذلك يحتاج إلى استعداد بالقوة، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» (أخرجه مسلم)؛ يقول النووي: والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداماً على العدو في الجهاد، وأسرع خروجاً إليه، وذهاباً في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبا لها ومحافظة عليها، ونحو ذلك(3).

ومما يعين العبد على الشجاعة وقت المواجهة، علمه أن الضر والنفع والخير والشر بيد الله وحده، فعن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (أخرجه الترمذي).

لماذا يجب أن يكون المسلم شجاعاً؟

يجب أن يكون حال المؤمن الشجاعة؛ وذلك لأنها تعود بفوائد على الفرد والمجتمع، فهي غريزة في الرجال كي تكتمل مروءتهم، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنَّ الشجاعة والجُبن غرائزٌ في الرجال»(4).

والشجاع يكون مطمئن القلب؛ حيث إنه لن يصيبه إلا ما قدَّره الله عليه، يقول ابن القيم: فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متسع القلب، والجبان أضيق الناس صدراً، وأحصرهم قلباً، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذة له ولا نعيم إلا من جنس ما للحيوان البهيمي، وأما سرور الروح ولذتها، ونعيمها، وابتهاجها، فمحرم على كل جبان، كما هو محرم على كل بخيل، وعلى كل معرض عن الله سبحانه، غافل عن ذكره، جاهل به وبأسمائه تعالى وصفاته ودينه، متعلق القلب بغيره(5).

دوافع تجعل المسلم شجاعاً

1- الفهم الصحيح لمعنى الشجاعة: قد يخلط البعض بين الشجاعة والتهور، فيلقي بنفسه في الملمات ويخسرها دون ثمن، ففي المنظور النبوي ليست الشجاعة قاصرة على القوة الجسدية والإقدام فحسب، بل تتعداها إلى قوة التحكم وضبط النفس، يقول صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (أخرجه البخاري، ومسلم).

2- تقوية الصلة بالله والمداومة على ذكره: الارتباط بالله يحرر القلب من خشية بأس البشر من الخلق، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأنفال: 45).

3- الإيمان بالقضاء والقدر: فالإيمان بالقدر يلقي في روع المسلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، فيخفف الرهبة من المواجهة.

4- استحضار نماذج تاريخية للشجاعة: وفي ذلك يجب استحضار سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام أمثال خالد بن الوليد، وعلي بن أبي طالب؛ لدراسة كيف يجب أن تكون شجاعة المسلم.

5- تدريب النفس على المواجهة التدريجية: والشجاعة خلق وسلوك ومهارة يمكن اكتسابها، ويمكن تدريب النفس عليها والبدء بمواقف صغيرة، ومواجهات محدودة.

6- ضبط الخيال وتوجيه الفكر: كثير من الخوف في نفوس الناس خوف وهمي صنعه له الشيطان وخياله، وتدريب العقل على تحليل الواقع الداخلي والخارجي يقلل من تلك المخاوف.

7- مصاحبة أهل الشجاعة والهمم العالية. الصاحب ساحب، والبيئة المحيطة لها أثر كبير في تشكيل ثقافة الأفراد والمجتمعات، فمصاحبة الجبناء تجلب الجبن، ومصاحبة الشجعان تغرس الشجاعة.

8- تعويد النفس على الصبر: والصبر هو الوجه الآخر للشجاعة، وهو أمر الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا) (آل عمران: 200).

9- الزهد في المديح والخوف من الذم: فالخروج من الشعور برقابة الناس والخوف من ردود فعلهم، يحرر النفس ويجعلها أكبر قدرة على اتخاذ مواقف شجاعة.

10- استحضار عواقب الجبن والشجاعة: الجبن عار على صاحبه، والتفكير في مآلاته يدفع النفس في الاتجاه الآخر متحلية بالشجاعة لحفظ الكرامة الذاتية.

والخلاصة: أن الشجاعة ضرورة كخلق ملازم للمسلم، وهي كمعظم الأخلاق ليست فطرية بالضرورة، وإنما يمكن اكتسابها بالتدريب والإيمان والاستعانة بالله رب العالمين.


اقرأ أيضا

صور من شجاعة النبي

شجاعة مجزأة بن ثور

الهوامش
  • 1 تهذيب اللغة للأزهري (1/ 214).
  • 2 تهذيب الأخلاق للجاحظ، ص 27.
  • 3 شرح النووي على صحيح مسلم (4/ 2052).
  • 4 سنن الدارقطني.
  • 5 زاد المعاد (2/ 22).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة