في رحاب الهدي النبوي
10 سنن وآداب في جمال الثياب
اللباسُ نعمةٌ
ساميةٌ، ومنحةٌ جليلةٌ راقية أسبغها الله على بني آدم، ففارقوا بها سائر الحيوان
وارتقوا إلى مراتب الإنسان قال سبحانه: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً
يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً) (الأعراف: 26)؛ فهو سترٌ وصيانة، وجُنَّةٌ من حرِّ الشمس وبردِ
الشتاء؛ يشهد بذلك قوله تعالى: (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ
ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ
تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ
عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) (النحل: 81).
وليس اللباسُ
مجرَّد قماشٍ تغطى به الأجساد، بل هو بيانٌ لنِعَم الله، وشهادةٌ على فضلِه
وكرمِه، ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن نضلة لما رآه في ثوبٍ
رثٍّ: «ألك مال؟»، قال: نعم، قال: «من أي المال؟»، قال: قد آتاني الله من الإبل
والغنم، والخيل والرقيق، قال: «فإذا آتاك الله مالاً فليُر أثرُ نعمة الله عليك،
وكرامته» (صحيح سنن أبي داود).
لذلك عني
الإسلام باللباس عنايةَ بالغة، فجعل له أحكامًا تحوطُه، وسُننًا تزكِّيه، وآدابًا
تجمّله وتطهِّره؛ ليكون سترًا للجسد، وجمالًا للروح، وشعارًا للوقار والإيمان.
أولًا: التيامن عند لبس الثوب:
حيث يسن أن نبدأ
بالميامن قبل المياسر عند اللباس، فعن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: «كان النبيُّ
صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعجِبُه التيَمُّنُ في تنَعُّلِه، وترَجُّلِه، وطُهورِه،
وفي شأنِه كُلِّه» (متفق عليه)، وعن حفصة أم المؤمنين قالت: «كان النبيَّ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّم يَجعَلُ يَمينَه لطعامِه وشَرابِه وثِيابِه، ويجعَلُ شِمالَه
لِما سِوى ذلك».
ثانيًا: الاعتراف بالنعمة عند لبس الثوب:
فيستشعر العبد
الفقير منة الله عليه إذ أنعم عليه بهذا الكساء، فعن مُعاذِ بنِ أنَسٍ أنَّ رَسولَ
الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «مَن لَبِسَ ثَوبًا فقال: الحَمدُ لله الذي
كَساني هذا الثَّوبَ ورَزَقَنيه مِن غَيرِ حَولٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ، غُفِرَ له ما
تقَدَّمَ مِن ذَنبِه» (صحيح سنن أبي داود).
ثالثاً: لبس الثياب البيضاء:
وهذه سُنة راقية
رقيقة، فالبياض لون الهدوء والجمال يبعث في النفس راحةً وصفاءً ويوحي بالنقاء
والطهارة، كثلجٍ هبط لتَوَّه على قممٍ صامتة، وعنِ ابنِ عبَّاسٍ قال: قال رسولُ
الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «البَسُوا مِن ثيابِكم البَياضَ؛ فإنَّها مِن خَيرِ
ثِيابِكم، وكَفِّنوا فيها مَوتاكم»، وهذه سُنة مستحبة باتفاق المذاهب.
رابعاً: لبس الثياب النظيفة:
عن عبدالله بن
مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في
قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ
يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ
الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ»؛ من حسن الثياب طهارته
ونظافته.
خامسًا: لبس الثياب الجميلة:
قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) (الأعراف: 32)؛ قال أبو جعفر: يقول تعالى
لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يتعرّون عند
طوافهم بالبيت، ويحرمون على أنفسهم ما أحللت لهم من طيبات الرزق: من حرَّم، أيها
القوم، عليكم زينة الله التي خلقها لعباده أن تتزيَّنوا بها وتتجملوا بلباسها(1).
فالتزين بالثياب
الجميلة أمر مشروع مستحب، وليس المراد من حسن اللباس أن يكون فاخراً باهظ الثمن؛
فقد يكون الثوب بسيطاً متواضعاً، لكن نظافته وحسن ترتيبه وتناسقه تكسبه جمالاً
يوافق ما يحب العبد أن يخرج به في أحسن صورة وأجمل حلة، فليس كل ما غلا ثمنه جميل،
ولا كل ما قل ثمنه رديء.
سادساً: التواضع في الثياب:
عن أبي أُمامةَ
رضي الله عنه، قال: ذكَرَ أصحابُ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومًا
عِندَه الدُّنيا، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ألا تَسْمَعونَ، ألا
تَسْمَعونَ، إنَّ البَذاذةَ مِن الإيمانِ، إنَّ البَذاذةَ مِن الإيمانِ» (صحيح سنن
أبي داود)، والمقصود: أن التقحل والتَّواضُعَ في الهيئةِ والملبَسِ وترك المبالغة
في التزين والترفه، شعبة مِن شُعَبِ الإيمانِ وجزءٌ منه، ولا يَعني هذا تفضيل
التقذر وترك النظافة.
سابعاً: ترك الإسراف:
قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ
يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان: 67)،
وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «كُلُوا واشْرَبوا، وتصَدَّقوا والبَسُوا، في غَيرِ
مَخِيلةٍ ولا سَرَفٍ؛ إنَّ اللهَ يُحِبُّ أن تُرى نِعمَتُه على عَبدِه».
ثامناً: التجمل بالثياب للضيوف والجمعة:
وهذا من هدي
النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عبدِ اللهِ مولى أسماءَ، قال: «أخرَجَت إليَّ
أسماءُ جُبَّةً مِن طيالسةٍ عليها لِبْنةٌ شِبرٌ مِن دِيباجٍ، وإنَّ فَرْجَيها
مكفوفانِ به، فقالت: هذه جُبَّةُ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كان
يَلبَسُها للوفودِ، ويومَ الجُمُعةِ».
تاسعا: الدعاء لمن لبس ثوباً جديداً:
قال أبو نضرةَ: كان
أصحابُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا لَبِسَ أحَدُهم ثوبًا جديدًا قيل له:
تُبلي ويُخلِفُ اللهُ تعالى. (رواه الترمذي).
وعن أمِّ خالدٍ
بنتِ خالدٍ رضي الله عنها، قالت: أُتِيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بثيابٍ
فيها خَميصةٌ سَوداءُ صَغيرةٌ، فقال: «مَن تَرَونَ نكسو هذه؟»، فسكَتَ القَومُ،
قال: «ائتُوني بأمِّ خالدٍ»، فأُتِيَ بها تُحمَلُ، فأخَذَ الخميصةَ بِيَدِه
فألبَسَها وقال: «أبلِي وأخْلِقي»، وكان فيها علَمٌ أخضَرُ أو أصفَرُ، فقال: «يا
أمَّ خالدٍ، هذا سَنَاهْ»؛ وسَنَاهْ بالحَبَشيَّة: حسَنٌ.
وعن عبدالله بن
عمر أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّم رأى على عُمرَ قميصًا أبيضَ
فقال: «ثوبُكَ هذا غسيلٌ أم جديدٌ؟»، قال: لا، بل غسيلٌ، قال: «البَس جديدًا، وعِش
حميدًا، ومِت شَهيدًا».
عاشرًا: ألا يشتمل الثياب الصماء:
عن أبي
الزُّبَيرِ، أنَّه سَمِعَ جابِراً بنَ عبدِاللهِ يحَدِّثُ أنَّ النبيَّ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّم قال: «لا تشتَمِلِ الصَّمَّاءَ»، قال الشيخ العثيمين «واشتمال
الصَّمَّاء»؛ أي: اشتمال لُبْسة الصَّمَّاء، بأن يلتحف بالثوب ولا يجعل مخرجاً
ليديه؛ لأن هذا يمنع من كمال الإتيان بمشروعات الصَّلاة.
اقرأ ايضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً