ماذا نفعل حين لا نتفق؟

10 قواعد ذهبية لآداب الاختلاف في زمن الجدل الإلكتروني

عزة مختار

07 ديسمبر 2025

502

تعددت أمراض الأمة في عصرنا حتى شملت جوانب أساسية في حياتهم الدينية والاجتماعية، وبالرغم من تلك الأمراض المتفشية فقد استطاعت الأمة أن تحافظ على رمق يربطها بالحياة فلم تمت، ولعل لذلك أسباباً قد لا يدركها البعض، وقد كانت بعض هذه الأمراض كفيلة بأن تقضي على أمم هي أقوى منها وأشد بأساً.

لكن وجود كتاب الله وسُنة نبيه والمنهج كاملاً بين يديها كان كفيلاً بحفظها لتصمد حتى اليوم، كذلك وجود الصالحين والمستغفرين وإن كانوا قلة ساهموا في حفظها من التلاشي، يقول تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (لأنفال: 33).

ومن أخطر الأمراض التي أصابت أمة الإسلام داء الاختلاف الذي بلغ العقيدة والسلوك والأخلاق والفقه والأهداف، وبالرغم من اختلاف السالفين أحياناً، فإن ذلك لم يؤثر على علاقة الأخوة بينهم أو يعكر صفو علاقاتهم، فكيف الخروج لتجنب مصير أمم سابقة؟

تحذير النصوص الشرعية من خطورة الاختلاف

اتفقت النصوص الشرعية في القرآن والسُّنة على تحذير المسلم من الاختلاف الذي يوقع في العداوة والبغضاء وانتزاع آصرة الأخوة من المسلمين، فيقول تعالى محذراً من مغبة التنازع المؤدي للهزيمة: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46)، وقال تعالى في التشبه بالكافرين بالسقوط في التماس العلل: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم).

وجعل الاختلاف الذي يتسبب في فرقة الأمة مروقاً من الهدي النبوي، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (الأنعام 159)، فماذا إذا وقع الخلاف بالفعل؟ وماذا نفعل إن لم نتفق؟

القاعدة الأولى: الفصل بين نقد الفكرة والإساءة إلى صاحبها:

المسلم يستطيع أن يفرق بين أخيه المسلم ورأيه، فأنا قد أختلف مع رأيه، لكنني لا أبغضه، ولا أحكم عليه من جراء مجرد اختلاف في الرأي، والقرآن نهى عن السخرية والطعن الشخصي، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات: 11)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (رواه البخاري)، فالقدح في الأشخاص يفسد النقاش، ويعد من ضعف الحجة.

القاعدة الثانية: التثبت من المعلومات قبل الحكم أو التعليق:

المسلم لا يحكم على أخيه دون تثبت، فالله عز وجل يقول في كتابه: (فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات: 6)، يقول ابن تيمية: «الحكم على الشيء فرع عن تصوره»(1)، والبعض يجد أنه من السهل أن يردد الشائعات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي دون تبين أو تثبت لمجرد أنه قرأها على صفحات الآخرين وهو لا يدري أن تمرير تلك الأخبار التي تمس سمعة الأبرياء يعد مخالفة شرعية وسقطات أخلاقية لا يجوز أن يقع فيها المسلم.

القاعدة الثالثة: جعل الحقيقة غاية الحوار لا الانتصار للنفس:

وفي خضم الاختلاف، نسي المسلمون أن الحوار للوصول للحقيقة، وليس للانتصار للنفس، وأنه إذا وصل الأمر للتأثير السلبي على النفوس، فيجب أن يتوقف الجدال فوراً، حتى ولو كنت تملك الحق كله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً» (رواه أبو داود)، فكسب ود المسلم أحب إلى الله من كسب الموقف، وقال الشافعي: «ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يُظهر الله الحق على لسانه»(2)، فالغرض من النقاش ليس الغلبة، بل إظهار الحقيقة.

القاعدة الرابعة: تجنب التعميم والوصم الجماعي:

يقول تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا) (المائدة: 8)، فإن كان هناك خطأ ما ارتكبه شخص من عائلة، أو من قبيلة، أو مؤسسة، فلا يجب التعميم في أن كل العائلة أو كل المؤسسة مخطئون ويحملون نفس الفكر أو يرتكبون نفس الجريمة، يقول ابن القيم: «من العدل ألا يُحمَّل المجموع خطأ الفرد»(3).

القاعدة الخامسة: اختيار الكلمات الرفيعة ولغة الاحترام:

قال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة: 83)، وقال صلى الله عليه وسلم: «الكلمة الطيبة صدقة» (أخرجه مسلم)، واللغة تكشف حال النفس ودواخلها، وتحديد نبرة الخطاب جزء كبير من مسؤولية من يكتب على مواقع التواصل.

القاعدة السادسة: التحكم بالغضب وعدم الرد تحت الانفعال:

يوصي النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب» (صحيح البخاري)، يقول ابن رجب الحنبلي: «الغضب يطفئ نور العلم والحكمة»(4)، فعلى المسلم أن يتريث ويؤثر الحكمة كضرورة معرفية وأخلاقية، وأن يتحلى بالصبر على تلك الصفحات التي سببت الشقاق أكثر مما كانت سبباً في التواصل.

القاعدة السابعة: احترام حق الآخر في الاختلاف:

قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) (هود: 118)، وقال الإمام مالك: «كلٌ يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر»(5)، فليس مع أحد الصواب المطلق ولا الحقيقة المطلقة، فليترك مساحة للآخر ليعبر عن رأيه فربما معه هو الحق، فلاختلاف مشروع واحترام الراي مطلوب.

القاعدة الثامنة: التمييز بين القطعي والظني.. وبين الاجتهادي والشخصي:

قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) (النحل: 43)، يقول الشاطبي: «الاختلاف إذا كان في دائرة الاجتهاد فهو رحمة، وإذا كان في القطعي فهو انحراف»(6)، فكثير من الخلافات تحدث بسبب الخلط بين المختلف فيه والمتفق عليه.

القاعدة التاسعة: الإحسان في عرض الدليل دون إذلال المخالف:

قال تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل: 125)، فالغاية من الأمر هو الوصول للحق وليس هزيمة الطرف الآخر، قال الجويني: «الحجة لا تستقيم مع الإذلال»(7)، فطريقة عرض الفكرة قد تكون أحياناً أهم من الفكرة ذاتها.

القاعدة العاشرة: الرفق منهج في الخلاف لا يقل قيمة عن الحجة:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» (رواه مسلم)، قال ابن حجر: «الرفق دليل على سمو النفس وسعة الأفق»(8)، فالرفق في الجدل يفتح القلوب، بينما العنف يغلق أبواب الحوار مهما كانت الحجة قوية.

إن آداب الاختلاف ليست قواعد نظرية، بل منظومة تضمن بقاء الحوار بين المسلمين راقياً ودوداً، في زمن يتصارع فيه الناس بالكلمة يعادي بعضهم بعضاً، تكون هذه القواعد العشر بمثابة ميثاق أخلاقي يعيد الاعتبار للعقل والنص الشرعي، ويحفظ على الناس كرامتهم.




____________________

(1) مجموع الفتاوى، ج19، ص 202.

(2) تاريخ دمشق، ابن عساكر، ج51، ص356.

(3) إعلام الموقعين، ج3، ص164.

(4) جامع العلوم والحكم، ص245.

(5) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم، ص 32.

(6) الموافقات، ج4، ص113.

(7) البرهان في أصول الفقه، ج2، ص689.

(8) فتح الباري، ج10، ص548.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة