3 وقفات حول أخلاق «الفاتحين»
ارتبط مفهوم الاستعمار
بهدم للبنيان وتشويه الحضارة، علاوة على الاستهانة بحياة الشعوب، حتى أتى الفتح
الإسلامي ليقدم نموذجاً يربط بين القوة والعدل، وبين الفتح والرحمة؛ قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (أخرجه البيهقي)، فلم يكن الجندي
المسلم مجرد محارب يسعى للقنص أو القتل، بل كان إنساناً تحركه العقيدة للدفاع عن
الإنسان وإنقاذه من ظلمات الجهل والشرك والعبودية لغير الله تعالى، كانت مهمته
تحرير الإنسان وليس استعباده، وتعمير الأرض وليس إفسادها.
ولذلك، سنجد في
التاريخ الإسلامي أن أخلاق الفاتحين خرجت من مشكاة واحدة، مشكاة النبوة التي جعلها
الله عز وجل رحمة للعالمين؛ (وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، وها هي المظاهر الأخلاقية التي رافقت الفتوحات
الإسلامية:
أولاً: الفرق بين «الاستعمار» و«الفتح»:
الشعوب كانت
تقاوم المستعمر المحتل، في الوقت الذي كانت ترحب فيه بالفاتحين، وبالنظر من نافذة
التاريخ نلحظ متلازمة بين الاستعمار وحركات التحرر، والصراع المستمر بينهما حتى
يخرج الاستعمار وتتحرر البلاد، ومن أمثلة ذلك:
1- ثورة
الجزائر: حيث اندلعت ثورة التحرير الجزائرية عام 1954م، ورغم الإمكانات البسيطة
وقلة العدد والعتاد، فإنها أوجعت المحتل الفرنسي وسببت له خسائر فادحة، وقد
استخدمت فرنسا كافة الوسائل البشعة للتصدي للثورة، وصنعت جيوباً وقادة تابعين لها
من الخونة، ودعمتهم بالمال والسلاح، فساهموا في سفك الدماء بين أبناء الشعب؛ ولكن
حركات الخيانة باءت بالفشل بفضل الله ثم بصمود وثبات ووحدة جبهة التحرير(1).
وتتوالى الأحداث
فيما بعد لتعتمد حركة التحرير على أسلوب حرب العصابات الذي لا تجيده الجيوش
المنظمة، ورغم الخسائر الفادحة التي تتحملها المقاومة، فإنها تستمر في النضال
والجهاد، لكن جهوده دائماً كانت مكللة بالنجاح كما يقول الدكتور الصلابي: ومن أهم
الميزات التي كانت تضمن له دوماً الانتصارات معرفته الجيدة للأرض والطبيعة،
وتلاحمه مع الشعب الذي يدعمه ويمده بكل الإمكانات المطلوبة مادياً وأدبياً
وإعلامياً، وتواصل هذا الدعم إلى أن تحقق الانتصار الأكبر في صيف عام 1962م(2).
2- حركة الجهاد
في ليبيا بقيادة شيخ المجاهدين عمر المختار: وقد كانت مقاومة الشيخ للاستعمار من
منطلق عقدي، حيث تحرير الأرض والموت في سبيل ذلك يعد شهادة بنص الشريعة: حيث قال
النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ
قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شهيد» (رواه
أبو داود).
3- حركة التحرر
في شبه القارة الهندية: كانت حركة الاستقلال الهندية حركة قوامها الشعب وشملت
مختلف طوائف المجتمع(3)، وكذلك حركات تحرر الشعوب بأفغانستان المسلمة
ومصر وسائر البلاد التي تحررت من الاستعمار نتيجة مقاومة شعبية سلمية أو جهادية.
فبالمقارنة بين
الاستعمار والفتح الإسلامي من تلك النقطة المحورية وهي مقاومة الشعوب له، نجد أن
كافة العلمانيين الذين حاربوا فكرة الخلافة والفتوحات الإسلامية قد فشلوا في ذكر
مصدر واحد يوحي بأن شعوب البلاد التي تم فتحها تاريخياً قاومت الفتح الإسلامي لها،
فعلى سبيل المثال نجد أن الشعب المصري رحب بالعثمانيين ولم يعتبرهم غزاة محتلين،
فلم يقم بثورات ضدهم أو حاربهم أو طالب بطردهم خارج البلد، ولذلك يعتبر الدخول
العثماني لمصر فتحاً وليس استعماراً أو احتلالاً(4).
وأما بالنسبة
لنتائج الاستعمار الأوروبي، وحركات الفتح الإسلامي، فنترك الحكم للقارئ فيما خلفه
الاستعمار من دمار وتجريف لخيرات البلاد التي دخلها ثم حالات التقسيم لحضارات كبرى
وتحويلها لدويلات صغيرة ومن أمثالها الهند التي كانت قارة، وتمزقت لمجموعة دول
كانت تمثل إمبراطوريات كبرى يوماً ما، على عكس ما فعله الفتح الإسلامي من تعمير.
ثانياً: المبادئ الأخلاقية الحاكمة لسلوك الفاتحين:
تميز الفاتحون
المسلمون بمجموعة من القواعد الأخلاقية قبل خروجهم للفتح، ومن أبرز هذه المبادئ:
1- حرمة
الاعتداء: وهي الوصايا العشر لأبي بكر الصديق رضي الله عنه يقول فيها: «يا أيها
الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنى: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا
تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً
ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيراً إلا
لمآكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع؛ فدعوهم وما فرغوا أنفسهم
له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإن أكلتم منها شيئاً
بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها، وتلقون أقواماً قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا
حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقاً. اندفعوا باسم الله، أفناكم الله بالطعن
والطاعون(5).
2- لا إكراه في
الدين: فالسيف في الإسلام ما شهر إلا لتبليغ الدعوة في وجه من قاومها، وقد جاء
النص صريحاً: (لا إِكْرَاهَ
فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: 256).
3- الوفاء بالعهود
والمواثيق: وقد كان المحرك الأساسي في كافة الاتفاقات والمعاهدات حتى مع الكافرين
قوله تعالى: (إِلا الَّذِينَ
عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ
يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى
مُدَّتِهِمْ) (التوبة: 4).
4- حرمة التمثيل
والتنكيل: فعن أبي هريرة قال: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِي بَعْثٍ وَقَالَ لَنَا: «إِنْ لَقِيتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا -لِرَجُلَيْنِ
مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا- فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ»، قَالَ: ثُمَّ
أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ، فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ
أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ
لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَ»
(رواه البخاري).
ثالثاً: الأثر الحضاري لأخلاق الفاتحين:
إن أخلاق
الفاتحين لم تكن مجرد موقف عاطفي آني، بل كانت إستراتيجية حضارية أنتجت نتائج
مذهلة، حيث اندمجت الشعوب المفتوحة فيما بينها وبين الفاتحين، ثم فيما بينها وبين
جيرانها لتكون تلك الحضارة العظيمة التي نعرفها، وتميزت باحترام العقول وثقافات
الشعوب المفتوحة، وابتعدت عن الظلم والتفرقة بين الفاتح وصاحب الأرض.
إن أخلاق الفاتحين لم تكن مجرد صفات شخصية لبعض القادة العظماء في التاريخ، وإنما كانت منظومة أخلاقية استمدها الجميع من شريعة الإسلام، ولذلك فإن دراسة تاريخهم ومسيرتهم ضرورة حضارية اليوم لإيجاد حل لمشكلات العالم التي يقف أمامها عاجزاً أمام قوة السلاح الباطشة في غياب منظومة أخلاق سماوية، تحرسها عقيدة متينة كعقيدة الإسلام.
الهوامش
- 1 الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي وإستراتيجيات المقاومة للدكتور علي الصلابي في مدونة العرب بتاريخ 7 يوليو 2023.
- 2 المرجع السابق.
- 3 ص 26Chandra 1989
- 4 في دراسة بعنوان «الفرق بين الفتح والغزو» لممدوح حسين والمنشورة في رابطة أدباء الشام بتاريخ تشرين 2010.
- 5 محمود شريف، الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، المجلد الثاني، دار الشروق، القاهرة، 2003.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً