لسان الصائم
4 أخلاق تصون اللسان في رمضان
من الغريب أن
بعض الناس يصوم عما أحل الله تبارك وتعالى مثل الطعام والشراب طاعة لأمر الله، ثم
تراه منتهكا للحرمات مثل الغيبة والنميمة وسب الناس بسبب سرعة الغضب والخوض في
الأعراض، فيكون كمن نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، ولم يخرج من صيامه إلا بالجوع
والعطش،
لقد شرع الله عز
وجل الصيام شهرا في كل عام يستقبله المسلمون كموسم للعبادات والتقرب إلى الله
بالطاعات متجاوزين بصيامهم مجرد الامتناع عن الشهوات إلى ميدان إعادة بناء الإنسان
وتعميق الملكات
فالصوم في جوهره
تجربة أخلاقية تهدف إلى تهذيب السلوك وضبط النفس، ومما يلفت النظر أن النصوص
الشرعية أولت اللسان أهمية كبيرة خاصة في رمضان، وكأنه شهر يريد أن يذكر الإنسان
بأن الصوم الحقيقي ليس صوم الجسد فقط، بل صوم اللسان عن كل ما يغضب رب العالمين
الكلمة في ميزان الإسلام
قال صلى الله
عليه وسلم: (إنّ العبدَ ليتكلّم بالكلمة من سخَط الله، ما يظنّ أن تبلغَ ما بلغت،
يهوي بها في النارِ أبعدَ مما بين المشرِق والمغرب، وإنّ العبدَ ليتكلّم بالكلمة
من رضوانِ الله، ما يظنّ أن تبلغَ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانَه إلى يوم
يَلقاه) (أخرجه البخاري).
فكلمة ترفع
صاحبها لأعلى الجنان، وكلمة تهوي به في جهنم، وبالكلام يتعارف الناس، وبالكلام
يتعلم الناس أمور دينهم، وبه يميز الصحيح من الخاطئ، والصدق من الكذب، وبه يبلغ
أوامر الله ويعلمها للناس، يقول تعالى في خطورة الكلمة:(لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ
مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَٰحٍ
بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتَغَاء مَرْضَٰتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ
نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء 114)
فالكفر كلمة،
يقول تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ
ابْنُ مَرْيَمَ) (المائدة 17)، والإسلام كلمة، يقول تعالى: (رَبَّنَا آمَنَّا
بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل
عمران 53) وكذلك الزواج والطلاق وسائر أمور الحياة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه
وسلم لمعاذ: (ألا أخبرك بملاك الأمر كله؟ قلت بلى يا رسول اللّه، قال: فأخذ
بلسانه، قال: كف عليك هذا، فقلت: يا نبي اللّه وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال:
ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد
ألسنتهم) (أخرجه أحمد).
الصوم مدرسة أخلاقية للسان
عندما شرع
الإسلام الصيام لم يرده مجرد عبادة جسدية، بل جعله منظومة أخلاقية تشمل القلب
والجوارح جميعا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (الصيام جنة؛ فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتلة أو
شاتمة فليقل: إني صائم.. إني صائم) (متفق عليه).
(فالصوم يحفظ
على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر
العون على التقوى كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تتَّقُونَ) (البقرة 183)(1)، وهناك فضائل يغرسها رمضان في نفس الصائم
تظهر بين الناس على لسانه، نذكر هنا أهم أربعة منها:
أولاً: الصدق:
والإسلام يربي
أتباعه على قيمة الصدق سواء في رمضان أو غيره من الشهور حتى يصير سمة للمسلم، تحث
عليه النصوص بقوة وتدفع المسلمين إليه دفعا، فيقول الله تبارك وتعالى: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)
(التوبة 119)، ويقول سبحانه: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا
اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ
وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ
وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (الأحزاب23/24).
ويقول النبي صلى
الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه
وشرابه) (رواه البخاري)، أي أن المسلم إذا تخلى عن الصدق، فلن ينفعه صيام من
الأساس، ورمضان فرصة عظيمة لتعويد اللسان على الصدق، حيث يكون الصائم في حالة
مراقبة ذاتية لله عز وجل، يقول ابن القيم واصفا حال الصائم بحق: (والصائم هو الذي
صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور)(2).
ثانياً: ترك الغيبة والنميمة:
شبه القرآن هذه
الجريمة الأخلاقية بتعبير قاس على النفس السوية فقال تعالى: (وَلَا يَغْتَب
بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا)
(الحجرات 12)، ولمن يستهينون بالغيبة ويدعون أنهم لا يقولون إلا الصدق، قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما
يكره، قيل أرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم
يكن فيه ما تقول فقد بهته) (رواه مسلم).
فالغيبة
والنميمة سلوك ينبغي أن لا يقربه مسلم، ويكفي النمام والمغتاب تحذير النبي صلى
الله عليه وسلم من تلك الجريمة أن يقول: لا يدخل الجنة نمام) (رواه البخاري ومسلم).
ثالثاً: الكلمة الطيبة:
ومن أهم ثمرات
الصيام، أن يتحلى اللسان بالكلمة الطيبة فتصير سمتا للمسلم الصائم امتثالا لأمر
الله تبارك وتعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة 83)، وإن كان الصيام
يمنع من قول السوء، فهو يأمر بالقول الحسن في ذات الوقت، فيقول تعالى: (وَقُلْ
لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ
بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) (الإسراء
53)، وقد شبه القرآن الكلمة الطيبة في قوله تعالى: (كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ
طَيِّبَةٍ) (ابراهيم24)، قال ابن عباس: (الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله، والشجرة
الطيبة: المؤمن)(3).
رابعاً: ضبط الغضب:
من أكثر البلايا
خطرا أن يكون الإنسان شديد الغضب، مندفعا، لا يستطيع أن يتحكم بذاته أو يعجز عن
كظم غيظه، والتجارب الإنسانية تظهر صعوبة التحكم بالذات عند الغضب إلا لصادقي
الإيمان، الذين يراعون ربهم في كل صغيرة وكبيرة، ولذلك جعل النبي صلى الله عليه
وسلم الشديد من يحمل صفات أخرى غير التي يقيم بها البشر بعضهم بعضا، فقال عليه
الصلاة والسلام: (ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)
(متفق عليه)، ويصف عليه الصلاة والسلام القوي قائلا: (ما تعدون الصرعة فيكم؟"
قالوا: الذي لا تصرعه الرجال. فقال لا:" لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب)(4)،
ونجد آيات الله في كتابه توجه المسلم لخطورة الغضب، وتدفعه للعفو والإعراض عن
الجاهلين الذين يدفعونك نحو سوء الخلق، فيقول تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ
بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف:199]، ووصف به عباده فقال:
(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [الفرقان:63]، وقال:
(وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) [الشورى:37]، وشهر رمضان يدرب الإنسان
على فضيلة العفو رغبة فيما عند الله.
إن أخلاقيات اللسان في رمضان تكشف عن أحد أعمق مقاصد الصيام: وهو بناء إنسان يملك نفسه وكلمته، وحين ينجح الإنسان في تهذيب كلماته، يكون قد اقترب من جوهر رسالة رمضان: إصلاح الإنسان من الداخل حتى يصبح أكثر رحمة ووعيا ومسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخرين.
اقرأ أيضا
أخلاق الرسول في التعامل مع أصحابه
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً