4 قواعد نبوية في الأخلاق والآداب العامة
لو حاول الإنسان تخيّل مجتمع يخلو من الأخلاق التي تضبطها شريعة الله تعالى، لآلَ الأمر إلى فوضى عارمة تشبه حياة الغاب؛ حيث لا وازع يمنع الإساءة، ولا حافز يدفع للإحسان، ولتحول الوجود الإنساني إلى صراع بين مفترسين لا يرجون خيراً.
ومن هنا، أولى
الإسلام الأخلاق مكانة سامية، وجعل إتمامها من أسمى أهداف الرسالات، وفيما يلي عرض
لرسائل أخلاقية صاغها النبي صلى الله عليه وسلم كقواعد جامعة للأمة:
الأولى: البر حسن الخلق:
عن النواس بن
سمعان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البرّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في
نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس» (رواه مسلم)، والبر هو التوسع في فعل الخير طاعةً
لله وإحساناً للخلق(1).
وقد لخص ابن عمر
حقيقة البر بقوله: «البر شيء هين: وجه طليق، وكلام لين»(2)، بينما حدد
الحسن البصري ملامحه في: الكرم والبذلة والاحتمال(3)، وقال الإمام
أحمد: حسن الخلق ألا تغضب ولا تحتد(4).
وجوامع البر
رسمها القرآن الكريم في قوله تعالى: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
(البقرة: 177)، فأمارة البر طمأنينة القلب، وعلامة الإثم اضطراب النفس وضيق
الصدر، وهي الفطرة التي تميز بين الطيب والخبيث.
الثانية: وأتْبِع السيئة الحسنة تمحُها:
تمثل هذه
القاعدة منهجاً لتهذيب النفس وتطهيرها من درن الخطايا، وهي إحدى الوصايا الثلاث
التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر رضي الله عنه فقال: «اتق الله
حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» (رواه الترمذي)، ويعزز
هذا المعنى قوله تعالى: (إِنَّ
الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود: 114).
وقد أكد النبي صلى
الله عليه وسلم شمولية هذه الرحمة حينما سُئل عن رجل أصاب من امرأة ما دون المسيس
فنزلت الآية، فقال: «بل للناس كافة» (البخاري، ومسلم)، وعن أبي هريرة قال: «الصلوات
الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهن، ما لم تغش الكبائر» (رواه مسلم).
الثالثة: من تشبه بقوم فهو منهم:
تحذير نبوي من
التبعية العمياء التي تسلب المسلم هويته، فآفة التقليد تكمن في استشعار النقص أمام
الآخر، يقول الله تعالى: (وَلَا
تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل
عمران: 139)، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذوبان في عادات الأمم
الأخرى بقوله: «من تشبه بقوم فهو منهم»، وبقوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو
القذة بالقذة..» (رواه البخاري، ومسلم).
ويفسر ابن خلدون
هذا الميل النفسي بقوله: «إن المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه
وتخلقه، وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك: أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن
غلبها وانقادت له»(5).
الرابعة: ليس الشديد بالصرعة:
يؤسس النبي صلى الله عليه وسلم هنا لمعيار البطولة الحقيقي وعلاج داء الغضب، فالشدة ليست بقوة البدن، بل بضبط النفس، والغضب إذا استعر أهلك صاحبه، حتى قال بعض العلماء: «الكفر في أربعة أشياء: في الغضب، والشهوة، والرغبة، والرهبة..»(6)، والغضب نوعان؛ محمود: وهو ما كان لله تعالى عند انتهاك محارمه، ومذموم: وهو ما كان انتصاراً للنفس وعصبيةً للقبيلة، لذا كانت وصيته صلى الله عليه وسلم لمن طلب النصح: «لا تغضب»، وكررها مراراً، وفي رواية: «لا تغضب ولك الجنة» (رواه الطبراني).
اقرأ أيضا
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً