4 مظاهر لانهيار الأخلاق في الحروب الحديثة
تغيرت أخلاق الحروب في العصر الحديث حتى فقدت أخلاقياتها الإنسانية تماما، فصار التدمير فوق التصور البشري على الجانبين، ولا تقدر على أن تميز من المهزوم ومن المنتصر، فالجميع في تلك الحروب مهزوم، الجميع خاسر من البشر والأشياء والأملاك الخاصة، الجميع يدفع ثمنا باهظا نتيجة الخسائر الهائلة التي تسببها أسلحة الدمار الحديثة، وهناك مظاهر مخزية للانهيار الأخلاقي الناتج عن نشوب تلك الحروب، نذكر في الأسطر التالية بعضها:
1 ـــ استهداف المدنيين كاستراتيجية
وتضع الحرب الحديثة ضمن استراتيجياتها استهداف غير
المعنيين بحمل السلاح وغير القادرين عليه إمعانا في إلحاق الخسائر البشرية
والمادية بالطرف الآخر، وربما عجزا عن تحقيق انتصارات في المجال العسكري، فيلجأ
لإسقاط أكبر عدد ممكن من هؤلاء المدنيين ظنا منه أنه نوع من الانتصار، مع أنه لا
يفعل ذلك إلا المهزوم حقا،
وتلك الأفعال حذرت منها نصوص الشريعة بشكل مباشر
ومغلظ، وصدقت عليها ممارسات النبي صلى الله عليه وسلم في حروبه مع الكفار، فكان
أمره في ذروة انتصاراته في فتح مكة حفظ الدماء، فقال صلى الله عليه وسلم: (مَن
ألْقى السِّلاح فهو آمِن، ومَن أغلق بابَه فهو آمن) (رواه مسلم)، وقال عليه الصلاة
والسلام: (ألاَ لا تقتُلوا ذرّيَّة؛ كلُّ نسمة تُولد على الفطرة) (رواه النسائي)،
ومصطلح (المدنيين) هو مصطلح حديث نسبيا، وقد ورد في
الشرع على هيئة ألفاظ أخرى مثل غير المقاتلين، ويقول الماوردي: (من أضعفه الهرم،
او أعجزته الزمانة،،،)[1]،
وعرفه البعض الآخر بأنهم: (الذين ألقوا السلاح وانصرفوا إلى أعمالهم، وكل من له
صفة حيادية فعلا عن معاونة العدو، كالملحقين العسكريين الأجانب، ومراسلي الصحف
ورجال الدين التابعين للقوات الحربية، فهؤلاء لا يعتبرون محاربين يهدر دمهم)[2]،
ومن هنا تتضح أخلاقيات الحرب في الإسلام بحماية
المدنيين من القتل مهما كانت شراسة المعركة، أو قوة السلاح المستخدم فيها
2 ــــ تبرير القتل بخطاب
إعلامي
ومن أسوأ مظاهر الانهيار
الأخلاقي في الحروب الحديثة توظيف الإعلام لليّ الحقائق والتلاعب بها في تبرير
عمليات قتل الأبرياء والبعيدين عن أهداف الحرب من الأساس، ومهما كانت تلك
التبريرات فهي لا تحمي صاحبها من غضب الله عز وجل وإن وجدت تلك التبريرات صدى عند
الناس، فالطفل والمرأة والضعفاء وكبار السن ورجال الدين ومقدرات الأرض وكل ما ينفع
الإنسان ليس معنيا بالحروب كي تستهدفه آلة القتل،
وقد (نهى الإسلام عن أخذ الإنسان بذنب غيره،
وقرر أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، فقال تعالى: "وَلَا
تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ
تَخْتَلِفُونَ" [الأنعام: 164]،
وأرشدنا إذا صارت الحرب بين المسلمين وبين غيرهم أمرا واقعا أن نُجنِّب
المدنيين وجميع من يبتغي طلب الرزق شرور الحروب وويلاتها ما دام هؤلاء ليسوا
محاربين ولا عونا للمحاربين قال تعالى: "وَقَاتِلُوا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا"
[البقرة: 190])[3]
وقال تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وَلاَ تَعْتَدُوا) [البقرة: 190]، (قال ابن جرير الطبري في تفسيره:
"وَإِنَّمَا الِاعْتِدَاءُ الَّذِي نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ نَهْيُهُ
عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَالذَّرَارِيِّ". والذراري: هم الأبناء)[4]،
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ( وُجِدَتْ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ
مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَهَى رَسُولُ
اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ
وَالصِّبْيَانِ) (أخرجه البخاري ومسلم)
وقد شدد الإسلام على مسألة
القتل وحذر منها فقال تعالى: "مِنْ أَجْلِ
ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ
نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا"،
وقال صلى الله عليه وسلم: (لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ اشْتَرَكُوا
فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّار) (أخرجه الترمذي)، ومن هنا
فإن تبرير قتل الأبرياء هو مشاركة في القتل ذاته
3 ـــ تدمير البنية التحتية للمدن عمدا
الحديث عن تدمير البنية التحتية للدول في الحروب
الحديثة ليست مسألة ثانوية تناولها الشرع ضمن الحديث عن أخلاقيات الحروب في
الإسلام، بل هي قضية أخلاقية وعقدية تمس المعتقد الإنساني وتصوره لذاته وحدود فعله
على الأرض، فمن حيث تحريم الإفساد في الأرض يؤسس القرآن للتعامل مع المقدرات التي
خلقها الله لانتفاع الإنسان بها، فيقول تعالى: (ولا
تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) (الأعراف: 56)، وربط القرآن بين الإفساد والهلاك
فقال تعالى: (وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل)
(البقرة: 205)
ومن حيث تحييد
غير المقاتلين وضمان سلامة ممتلكاتهم أوصى النبي صلى الله عليه وسلم قادة الجيوش
فقال: (لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه)
(رواه مالك في الموطأ)، ومن ناحية تحريم الغدر والتدمير غير المشروع يقول تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)
(المائدة: 8)، فالعداء لا يبرر تجاوز الحدود الأخلاقية، والعدل ليس خيارا، وإنما
واجب وتكليف إسلامي
4 ـــ الانتقام الجماعي
وعلى غير ما كانت تدور عليه الحروب القديمة في
المواجهات المباشرة، تحولت الحروب الحديثة لحالة من العنف غير المبرر في الانتقام
الجماعي من المجتمع كله، حيث تتجاوز فيه المجتمعات حدود الدفاع المشروع إلى إعادة
إنتاج العنف في صورة انتقامية من الجميع،
فهناك دولة قد تم الاعتداء عليها، فلا تكتفي برد
الاعتداء على المعتدي، وإنما تتجاوز ذلك للرد الانتقامي من كل من هو حولها دون
جريرة، فتلجأ لحالة من العنف لتضر بمصالح الأبرياء، بل وتعتدي عليهم بغير داع،
لتنتقل من العدالة إلى الثأر ممن لا ذنب لهم، وكأن القتل في حد ذاته هو المطلوب
دون مراعاة من هو المقتول، حتى لو كان أخا في الدين والمصير،
ويسبق ذلك الانتقام خطاب إعلامي محرض ومبرر ينزع
الإنسانية عن الطرف المظلوم وشيطنته حتى يبرر قتله، ويساعد على ذلك أن يكون هناك
تاريخ ممتلئ بالأحقاد والعداوات والذاكرة الجريحة، حيث تتحول هذه الذاكرة لمخزون
انتقامي قابل للاستدعاء في أي لحظة
وللإعلام القدرة على تغيير بعض القناعات حين يعيد
تأويل النصوص لتبرير العنف وإسقاط القيم الدينية تحت ضغط الواقع، في الوقت الذي
تؤكد فيه النصوص المؤسسة في الإسلام على التحكم بالغضب وضبط الانفعال والإنصاف
وتوجيه الضربات لمن يستحق وليس للأخ المسلم في البلد المسلم وذلك متمثلا في قول
الله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا)
(المائدة 8)، وقوله تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين
عن الناس) (آل عمران 134)، ولا يعني هذا أن يتنازل المسلم عن حقه في الدفاع
عن نفسه وأرضه وعرضه ويفرض إرادته، دون أن يدفعه الغضب لنقل انتقامه لآخرين
أبرياء، إنه الفرق بين العدل الذي يضبطه ميزان أخلاقي، والانتقام الذي تحركه
العاطفة المنفلتة.
لقد تحولت الحروب الحديثة لآلة قتل غير أخلاقية لا تمت
للبشرية بصلة، وعلى الإنسان عامة، وعلى المسلمين خاصة، أن يعيدوا تفكيرهم طويلا
لإنقاذ الإنسانية، وإعادتها إلى سواء السبيل.
5 دوافع لوقوع الحروب في العالم
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً