4 مسائل في الزهد تجعلك مقبولاً بين الناس
يحتل الزهد مكانة مركزية في المنظومة الأخلاقية للإسلام، إلا أن مفاهيمه قد تداخلت لدى البعض، فاختُزل معناه في هجر الدنيا وزينتها وترك العمل، والإعراض عن إعمار الأرض.
والحقيقة التي
قررتها النصوص الشرعية أن الزهد أعمق وأدق من أن يتوقف عند ترك الجوارح؛ فهو عمل
قلبي بحت؛ زهد في القلب لا في اليد، وفي التعلق لا في التملك.
وجوهر الزهد أن
يتحرر الإنسان من رقّ الدنيا وإن ملكها كلها في يده، وهذا الخلق يجعل صاحبه
محبوباً بين الناس؛ فالنفس البشرية مجبولة على حب من يستغني عما في يدها، ولا ينظر
إليها بعين الطمع أو الحسد، فبقدر زهدك فيما في أيدي غيرك، يعظم قبولك بينهم، وفيما
يلي تحرير لـ4 مسائل في هذا الباب:
الأولى: المعنى المقاصدي للزهد في الشريعة الإسلامية:
تعددت تعريفات
الزهد، فهو في اللغة: «الانصراف عن الشيء احتقاراً له وتصغيراً لشأنه للاستغناء
عنه بخير منه»، وأما اصطلاحاً فهو: «خلو القلب مما خلت منه اليد»، وقيل هو: «ترك
ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة».
وقد فصل الإمام
أحمد بن حنبل في درجاته فقال: الزهد على 3 أوجه؛ ترك الحرام وهو زهد العوام، وترك
الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، وترك ما يشغل العبد عن الله عز وجل وهو زهد
العارفين، وعن حقيقة التعامل مع الناس، قال سعيد بن جبير: أظهر اليأس مما في أيدي
الناس، فإنه الغنى، وإياك وما يعتذر منه، فإنه لا يعتذر من خير.
ولا يعني الزهد
عما في أيدي الناس أن تنقطع الروابط أو يستغني الخلق عن بعضهم، فهذا يخالف المنطق
السليم؛ وإنما المقصود كف النظرة الطامعة، وتعليق القلب بالله وحده في طلب
الحاجات.
الثانية: التوجيهات القرآنية والنبوية نحو الزهد:
رسخ القرآن
الكريم معاني القناعة والاستغناء وإن لم ترد بلفظ «الزهد» صراحة، ومن ذلك قوله
تعالى: (وَلَا تَمُدَّنَّ
عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ) (طه: 131)، ففي
الآية توجيه بغض البصر عن متاع الآخرين لقطع دابر التعلق القلبي، يقول ابن كثير: يقول
تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم
ونظرائهم، وما هم فيه من النعم، فإنما هو زهوة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك،
وقليل من عبادي الشكور.
كما نبه القرآن
إلى خطورة الفتنة بالتعلق لا بمجرد الملك، قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)
(التغابن: 15)؛ والفتنة هنا تكمن في الاعتماد عليهم واعتبارهم مصدر القوة
والمنعة من دون الله.
ثم جاءت السُّنة
المطهرة لتجلي المفهوم بوضوح وشفافية، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ازهد في
الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس» (رواه ابن ماجه)، وهو
حديث يؤسس لقاعدة ذهبية أن الزهد في الدنيا يصحح العلاقة بالله، والزهد فيما في
أيدي الناس يصحح العلاقة بالبشر.
ويصحح النبي صلى
الله عليه وسلم مفهوم الغنى بقوله: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى
النفس» (متفق عليه)؛ فالغنى والفقر حالتان قلبيتان ونفسيتان، لا مجرد أرقام في
الأرصدة؛ فكم من ثري يشعر بفقر دائم! وكم من غني نفسٍ راضٍ وإن بات خاوي البطن!
الثالثة: البعد الأخلاقي والاجتماعي للزهد:
الزهد فيما عند
الناس ليس عبادة فردية منعزلة، بل قيمة اجتماعية ذات آثار عميقة، منها:
- حفظ الكرامة
الإنسانية: بتحقيق الندية في التعامل بين الغني والفقير، وضمان وصول حق الفقير
إليه بكرامة دون ذل السؤال.
- القضاء على
الطمع: مما يغلق باب الحقد والغل، حتى بين الأثرياء الذين قد يتنافسون لمجرد
التكاثر والوجاهة.
- تطهير
العلاقات: بنقلها من خانة المنفعة المادية إلى رحابة الأخلاق الإسلامية كالتكافل
والرحمة والكرم.
- سلامة الصدور:
حيث يضمن الغني التخلص من حسد الحاسدين، ويضمن الفقير وصول حقه إليه بعفة وصيانة
لقلبه وماء وجهه.
- إخلاص القلب
لله: وهو الغاية العظمى.
الرابعة: الزهد كأساس للوجود الحضاري:
يشهد التاريخ
الإسلامي أن الأمة لم تفتر يوماً في حركة العمران والفتح، وأن صناعة الحياة لم
تؤثر على قلوب الفاتحين؛ بل كانوا سادة الزهاد وسادة صناع الحياة في آن واحد، لقد
ضبط الزهد بوصلتهم، فلم يعبدوا الدنيا، بل جعلوها في أيديهم تخدمهم ولا تستعبدهم؛
ففتحوا الأمصار، وأداروا الأموال، وشيدوا الحضارة.
ولذلك لخص عمر
بن الخطاب رضي الله عنه هذه العزة بقوله: «إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام
فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله» (صحيح على شرط الشيخين)، وتلك
قاعدة راسخة: لا عزة ولا كرامة إلا باتباع منهج الله، فإذا زهدنا في الدنيا وطلبنا
ما عند الله، أتتنا الدنيا وهي راغمة.
اقرأ ايضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً