5 أسباب تساوي بين ثبات الجبهة الداخلية وثبات الجيوش
تعد التصدعات
الاجتماعية الناتجة عن عمليات الحروب المفروضة داخل الدول وما يصاحبها من حدوث
الفوضى أو غياب العنصر الأمني لانشغاله بمهام أخرى من أخطر الآثار التي يمكن أن
تقع على مجتمع يمر بحالة حرب، ولهذا فقد ربط القرآن الكريم بين النصر ووحدة صف
الأمة، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا
لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ
تُفْلَحُونَ {45} وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ
فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال).
فالثبات مطلوب
في ساحة الوغى بين صفوف المقاتلين، كما هو مطلوب في الجبهة الداخلية بين المواطنين.
ومن الأسباب
التي تجعل ثبات الجبهة الداخلية لأي مجتمع لا يقل أهمية عن ثبات الجيوش:
أولاً: لأن وحدة المجتمع تجرد العدو من أخطر أسلحته:
لم تعد الحروب
الحديثة تعتمد على الصواريخ والطائرات وحدها، بل أصبحت تستهدف تفكيك المجتمعات من
الداخل عبر بث الشائعات، وإثارة الفتن، وإضعاف الثقة بين الشعب ومؤسساته، فإذا
تماسك المجتمع، وأغلق أبواب الخلاف، فقد العدو أهم أدواته.
ولذلك، حذر الله
عز وجل الأمة من التفكك والتشرذم حتى في أحلك أوقاتها وأثناء مواجهاتها الكبرى،
فقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103)، وقال النبي
صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، ثم شبك بين أصابعه.
(رواه البخاري، ومسلم).
وفي تاريخ
الأمة، اتضحت معالم ذلك المعنى في غزوة «الأحزاب»، حيث اجتمعت الأحزاب على المدينة
في ظل ضعف المسلمين المحاصرين وعدم قدرتهم على التصدي لجحافل العرب حول الخندق،
غير أن تمحور المسلمين حول قيادتهم وطاعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم كان سبباً في
إفشال أخطر حصار تعرضوا له حتى قال الله تعالى: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ
يَنَالُوا خَيْرًا) (الأحزاب: 25).
ثانياً: لأن التكافل الاجتماعي يرفع قدرة المجتمع على الصمود:
ففي أوقات
الحروب لا يحتاج الناس إلى السلاح وحده، بل يحتاجون إلى الطعام، والدواء،
والإيواء، وإلى من يخفف عنهم آثار المحنة، وكلما انتشر التكافل؛ قلت آثار الأزمة،
وازدادت قدرة المجتمع على الاستمرار، وقد جسدت رحلة هجرة مسلمي مكة إلى المدينة
ذلك المعنى بوضوح، فقد تضاعف عدد الناس بالمدينة مع قلة الموارد بها، لكن استقبال
الأنصار للمهاجرين ومؤازرتهم وكفالتهم كان مدعاة أن يثني الله عليهم في قوله
تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر: 9).
وقال النبي صلى
الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى
منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (رواه البخاري، ومسلم)، فحين تقاسم
الأنصار بيوتهم وأموالهم مع إخوانهم، بنى هذا التكافل مجتمعاً قادراً على مواجهة
حصار قريش وحروبها، وأصبح التضامن أحد أهم أسباب قوة الدولة الإسلامية الناشئة.
ثالثاً: لأن الانضباط الإعلامي يحمي معنويات الأمة:
يحتل الجهاز
الإعلامي مكانة ضخمة في مجريات الحدث والتلاعب به أو نقله أو نشره مع إضافة بعض
الكذب عليه ليثير القارئ ويجذب انتباهه، وأصبح الإعلام أكثر خطورة بعد انتشار
وسائل التواصل الاجتماعي، فبامتلاك كاميرا وهاتف يمكن لفرد واحد أن يقلب المجتمع
رأساً على عقب خاصة بإطلاق بعض الشائعات التي تمس غذاء الناس أو أمنهم، فخبر من
تلك النوعية كفيل بأن يؤدي لانهيار المجتمع وإرباكه.
ولذلك جعل
الإسلام التثبت من الأخبار قبل نقلها واجباً شرعياً، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات 6)، وقال النبي
صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع» (رواه مسلم)، ومن هنا
يكون كل فرد من أفراد المجتمع مسؤولاً عن الكلمة التي ينقلها محدثاً أو ناقلاً لها
على صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، ففي أزمة الحروب يمكن لكلمة أن تهدم أمة،
أو تعيد بناءها.
رابعاً: لأن تغليب المصلحة العامة يعزز قوة الدولة:
تظهر المعادن
الحقيقية في أوقات المحن، فمن الناس من يحتكر السلع ويرفع الأسعار، ومنهم من يضحي
بمصلحته الخاصة من أجل سلامة مجتمعه، والدول لا تتجاوز الأزمات إلا حين يقدم
أبناؤها المصلحة العامة على المكاسب الفردية، فيرشدون الاستهلاك، ويحافظون على
الموارد، ويتعاونون على مواجهة الأزمة بدل استغلالها.
إن كل تاجر
أمين، وكل طبيب مخلص، وكل موظف يؤدي واجبه بإتقان، وكل طالب يستذكر دروسه، وكل
معلم يقوم بمهمته بضمير حي، إنما يقف في خندق الدفاع عن وطنه، مثله في ذلك مثل
الجندي الذي يقف على الجبهة حاملاً سلاحه.
قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
وَالتَّقْوَى) (المائدة: 2)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن
أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (رواه البخاري، ومسلم)، وفي غزوة «تبوك» دعا
النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة لتجهيز جيش العسرة، فجاء أبو بكر رضي الله عنه
بماله كله، وأتى عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان بمال عظيم، حيث قدموا المصلحة
العامة على مصالحهم الشخصية.
ولما قال صلى
الله عليه وسلم: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في أهله
بخير فقد غزا» (رواه البخاري، ومسلم)، سارع الصحب إلى تطبيق تلك المعاني، حيث تكفل
أهل المدينة برعاية أسر المجاهدين وحفظ أموالهم وتأمين احتياجاتهم، فكان المجتمع
كله شريكاً في الحرب وصناعة النصر المنشود، فنجح الجيش، ونجحت الأمة في مهمتها.
خامساً: لأن قوة الجيش تبدأ من قوة المجتمع:
الجندي الذي يقف
على الحدود يحتاج إلى شعب ثابت خلفه، يشعره أنه موحد، وأسرته آمنة، ومجتمعه يسانده،
فارتفاع المعنويات أحد أهم عناصر النصر العسكري، ولهذا فإن الدعاء، والكلمة
الطيبة، والالتفاف حول الوطن، واحترام تضحيات المدافعين عنه، كلها وسائل تعزز قدرة
الجندي على أداء مهمته، ولهذا فإن العلاقة بين الجيش والجبهة الداخلية ليست علاقة
طرفين منفصلين، وإنما علاقة جسد واحد، فإذا قويت الجبهة الداخلية؛ ازدادت الجبهة
العسكرية صلابة، وإذا ضعفت، تحمل الجيش أعباء إضافية قد لا تكون من صميم مهمته.
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تهزم دائماً بسبب ضعف جيوشها، وإنما كثيراً ما سقطت بسبب سقوط جبهتها الداخلية بانتشار التنازع والجشع واليأس والشائعات مهما بلغت قوة الجيوش، أما إذا توحد الشعب، وتكافل، وتحلى بالوعي والمسؤولية، فإنه يمنح جيشه أعظم سند يمكن أن يحظى به، وفي زمن الحروب، يصبح كل مواطن حارساً لوطنه، بعلمه، وأمانته، وكلمته، وخلقه، وتعاونه، فثبات الجبهة الداخلية ليس أقل أهمية من ثبات الجيوش، بل هو الظهر الذي تستند إليه الجيوش حتى تحقق رسالتها وتصون أوطانها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً