5 سمات نحو خطاب إسلامي يستوعب الجميع
بالرغم من المحن الشديدة التي تتوالى على
الأمة كقطع من الليل المظلم، وحالة الانقسام الحادة، وحاجتها المتجددة لخطاب إسلامي موحد يستوعب الجميع حتى تستطيع الخروج من محنتها؛ فإنه لا توجد هيئة موحدة
تقوم على هذا الأمر وتقدم ذلك الخطاب المطلوب قبل استفحال شأن الانقسام ليصير
انقسامات متعددة وربما تحارب فيما بينها.
لقد أصبحت الحاجة لخطاب ديني موحد ضرورة
الوقت وحاجة الأمة الملحة، خطاب رحب يحتضن المسلم بكل أطيافهم، على أساس الرحمة
التي هي جوهر الرسالة المحمدية.
لماذا الفكرة الإسلامية؟
قد يسأل سائل: لماذا الإسلام هو الذي يجب
أن يجمع العرب والمسلمين على كلمة سواء؟ أليست القومية أولى دون حساسيات ودون وقوع
في خلافات كثيرة ومعقدة؟
الحقيقة أن طبيعة العرب السيكولوجية ألا
يجمعهم إلا عقيدة راسخة ودين صحيح وقيادة قوية، غير ذلك تمرضهم الفرقة والتشرذم،
وشمول الإسلام لا يستوعب العقيدة فقط، وإنما يمتد ليشمل كافة مناحي الحياة، ويقدم
خطاباً نوعياً لم يعرفه العالم من قبل، وقد سخر تعالى الكون لخدمة الإنسان، وجعل
الدنيا دار اختبار وعمل، لا دار بقاء وجزاء، فهي لا تستحق التناحر من أجلها، بقدر
ما تستحق التكامل والتواد.
وإلى جانب شمول الإسلام الذي يغطي كافة
الجوانب الإنسانية، هناك واقعية الدين الإسلامي، ويقصد بها مراعاة الخطاب لواقع
الإنسان من حيث ظروف حياته ورغباته ومشاعره وفطرته وتكوينه؛ فغاية التشريع
الإسلامي ومقصده رفع الحرج والمشقة عن الناس(1)، فهو خطاب عملي يراعي
ظروف الناس واختلاف عاداتهم، فلا يثنيه واقع الاستضعاف عن العمل للتمكين، ولا طارئ
الغربة عن السعي للظهور، ولا فقه الأزمة عن مستلزمات العافية، ولا الممكن الموجود
عن الأمثل المنشود(2).
ويجب أن يتسم الخطاب الإسلامي الموحد
لجموع الأمة على مختلف ألوانها بالآتي:
أولاً: القرآن مرجعية الخطاب الإسلامي الجامع:
اتسم الخطاب القرآني بتنوعه تجاه
المخاطبين، فنجد نصائح موجهة للبشرية ككل، ونجد خطاباً للناس، ونجد خطاباً
للمؤمنين، ولم نجد خطاباً عنصرياً يميز فئة على فئة، أو جنساً على جنس، والفضل
الوحيد للتقوى وإيمان الفرد.
وقد ساق القرآن حوارات عدة بين الله تعالى
وهو الخالق، وعدد من خلقه، فقد حاور إبليس الذي خرج على عبادة ربه حسداً وحقداً
على آدم وذريته، ومع ذلك أفسح الله تعالى المجال ليتكلم ويعبر عن نفسه وإرادته
وتحديه وكفره.
وساق كتاب الله حواراً كذلك مع الملائكة
قبل خلق آدم عليه السلام حين اعترضوا على خلقه أمام الخالق، ومع ذلك حاورهم
سبحانه: (وَإِذْ قَالَ
رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا
أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة:
30).
ثانياً: الرحمة أساس التواصل مع المخالف:
كان خلق الرحمة الذي اتصف به النبي صلى
الله عليه وسلم بمثابة مفتاح النجاح في نشر الدعوة الإسلامية ووصولها لقلوب
الكافرين، فقال تعالى مشيداً بتلك الرحمة: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً
غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ
لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ
إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران)، فالخطاب الغليظ كفيل
بإفشال أي حوار، وكفيل بفض القوم عن الداعية، وبالرغم من شدة ما لاقاه من قومه، فإنه
ظل رحيماً بهم، ودوداً في خطابه لهم، فعن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ادع
على المشركين، فقال: «إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة» (أخرجه مسلم).
ثالثاً: تجنب الخطاب الإقصائي داخل الصف الإسلامي:
والمجتمعات بطبيعتها متباينة، حتى داخل
المجتمع الواحد، فيراعى في التعامل عدم الإقصاء لفصيل أو طائفة، ولا يصنف الناس
بخلفية سابقة دون دراسة واعية وموضوعية إلى صالح وفاسد، وقد عانى المسلمون طويلاً
من ظاهرة الإقصاء الغربي خاصة بعد انتشار ظاهرة «الإسلاموفوبيا».
وقد شهد العالم الإسلامي عبر تاريخه
تنوعاً واسعاً في المدارس الفكرية، تحولت في بعض مراحلها لخلافات حادة وخطاب
إقصائي؛ وهو ما أدى لضعف الأمة في تلك المراحل وأضر بصورتها.
وقد دعت النصوص الشرعية للاعتصام بحل
الله ووحدة الكلمة ونبذ الفرقة والتشتت، فقال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ
تَفَرَّقُواْ) (آل عمران: 103)، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الخلافات
المؤدية للشقاق، فقال: «ليس منا من دعا إلى عصبية» (رواه أبو داود).
وللخطاب الإقصائي أضرار تقع على عاتق
الأمة، حيث يؤدي إلى انقسامات داخلية، ويؤدي لتشويه صورة الإسلام، ويؤدي كذلك
لإضعاف العمل الدعوي والسياسي لإهدار الطاقة في الخصومات والخلافات بدلاً من
الوحدة والبناء، ويحدث ذلك نتيجة الجهل بالفقه وأصول الخلاف في الإسلام، والتعصب
الحزبي المقيت، إلى جانب غياب القيادة الفاعلة التي تستوعب التباينات الفكرية
الموجودة، وإحياء أدب الاختلاف وللخروج من دائرة الخصومات والإقصاء.
وعلى العلماء نشر ثقافة الاختلاف بين
الشباب وتعليمهم أدب الاختلاف، والتركيز على القواسم المشتركة والأهداف الكبرى،
والاجتماع على قضايا الأمة الكبرى كقضايا التحرير ونصرة المظلوم.
رابعاً: إدراك التعددية الفكرية والثقافية:
وقد نجح الإسلام في فجر الرسالة في
استيعاب العربي والفارسي والحبشي والرومي ضمن أمة واحدة، ولم تظهر نعرات القومية
إلا وقد حوربت بشراسة بالقيم الإسلامية التي بني عليها المجتمع المسلم مثل الأخوة
والتكافل والمودة واحترام حقوق الغير.
وقد اتخذت الحركة الإسلامية على عاتقها
مهمة إعادة التراث الإسلامي بقيمه الكاملة، لكن ذلك لن يتأتى إلا عبر بيئة
اجتماعية وثقافية متنوعة، والتعددية سنة إلهية لا يستطيع أحد نكرانها، فيقول
تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ
لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود: 118).
والإسلام حين هيمن لم يلغ الثقافات
المحلية، بل هذّبها، وأبقى منها ما يتوافق مع ثوابته، وتحتاج الأمة لإدراك
التعددية لأن الواقع بطبيعته متعدد المشارب، وقد قال الإمام الشاطبي: «المقصد
الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدًا لله اختيارًا
كما هو عبد له اضطرارًا، ولا يتحقق هذا إلا إذا تحررت العقول من ضيق التعصب إلى
سعة الشريعة(4).
خامساً: مواكبة قضايا العصر:
لا يكفي أن يظل الخطاب الديني أسير قضايا
الماضي، بل عليه أن يخاطب تحديات اليوم؛ البيئة، الفقر، حقوق المرأة، الذكاء
الاصطناعي، الحروب، المقدسات.. وغيرها(5).
ومواكبة قضايا العصر تعني القدرة على فهم
ومتابعة التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتقنية التي
يشهدها العالم، والتفاعل معها بوعي وفاعلية، بدل الاكتفاء بموقف المتفرج، وتعني
كذلك عملية الاستعداد المستمر لمسايرة التغيرات الحادثة في العالم، مع الاحتفاظ
بالقيم والثوابت التي تشكل هوية الفرد والمجتمع، وتأتي أهميتها في كونها تجنب
المجتمع التخلف المعرفي.
_____________________
(1) الخصائص العامة للإسلام، الشيخ
القرضاوي، ص 150.
(2) مضامين رسالة عمان، ص 39.
(3) فقه السيرة، ص 382.
(4) الموافقات للشاطبي، ص 288.
(5) الخطاب الإسلامي في العصر، القرضاوي.