...

65 عاماً من تضميد جراح العالم.. كيف انتصرت «كويت السلام» في إقليم الغليان؟

في قلب منطقة جغرافية لطالما اتسمت بالتوترات والصراعات المستمرة، تبرز بقعة جغرافية صغيرة كثقب أبيض يمتص الأزمات ويخمد لهيبها، فعلى مدار 65 عامًا من الاستقلال، قدمت الكويت للعالم نموذجًا استثنائيًا لدولة لم تكتف يومًا برفع شعارات السلام، بل تترجمها لمواقف إنسانية حية، لتتوج مسيرتها –التي ما زالت تدون أثناء كتابة هذه الكلمات– بأكثر من 30 وساطة دولية لحقن الدماء، فكيف روضت الكويت المستحيل؟ وكيف أثبتت للعالم أن السيادة الحقيقية في البناء لا الهدم؟

وثيقة تاريخية تحرم الهجوم

لم يكن حب الكويت للسلام توجه سياسي عابر، أو قرار محكوم بالمصلحة المتقلبة، بل عقيدة راسخة قننها الآباء المؤسسون، وسطرت عقب الخطاب التاريخي الذي دعا فيه الشيخ عبدالله السالم الصباح إلى تقوية أواصر الصداقة والأخوة مع الدول العربية، للعمل بتكاتف وتآزر على ما فيه خير العرب وتحقيق أمانيهم.

ولأن التاريخ أثبت أن النوايا العظيمة لا قيمة لها بلا جدار قانوني يحميها، ترجمت تلك الرؤية الإنسانية في المادة (68) بدستور 1962م لتحسم هوية الدولة بنص قاطع: «يعلن الأمير الحرب الدفاعية بمرسوم، أما الحرب الهجومية فمحرمة»، إعلان واضح يظهر للعالم أن الكويت لا تبادر بالاعتداء أبدًا، وتكتفي بحق الدفاع المشروع عن سيادتها المحمية بقوة القانون.

دبلوماسية الإطفاء

انطلاقًا من عقيدة السلام الراسخة، والميثاق الدستوري النبيل، تبنت الكويت ما عرف بـ«دبلوماسية الإطفاء»، حيث سخرت الدولة نفسها لإخماد الحرائق في أعتى مناطق النزاع، لتبدأ أولى خطواتها الميدانية في إطفاء لهيب اليمن عام 1965م، وبعدها تدخلت بحكمتها لوقف نزيف الدم في أحداث «أيلول الأسود» بالمملكة الأردنية الهاشمية عام 1970م، ثم امتدت مساعيها لتشمل وساطات معقدة في صراعات باكستان وبنغلاديش.

وفي التاريخ الحديث، وتحديدًا عام 2017م، قادت الكويت وساطة مكوكية مضيئة لتمنع تصدع البيت الخليجي وتحميه من الانهيار، ثم أكلمت طريقها كصوت لا ينخفض للمستضعفين، ودرع دبلوماسي صلب يحمي حقوق الشعب الفلسطيني الشقيق في أروقة مجلس الأمن.

إعمار الجاني بعد الغزو

إن أقسى اختبار لعقيدة السلام هو أن تضع عينك على العدو، ثم تأتيك الطعنة من حيث ظننت الأمان، في عام 1990م واجهت الكويت غزوًا غاشمًا قادها إلى الظلام والجرح لمدة 9 أشهر، ورغم عمق الجراح وقساوتها، رفضت الدولة السقوط في مستنقع الانتقام، رغم أن الفرصة قد دقت بابها، فأبت قطع وريد العطاء عن شعوب الضد في وقت الخصام، لتكسر منطق الغاب.

في عام 2018م استضافت الكويت مؤتمر «إعادة إعمار العراق»، والذي حصلت بموجبه العراق على 30 مليار دولار لإعادة إعمارها، ولتكون سابقة تاريخية نادرة تُري العالم كيف تسمو الدول العظيمة، فتُضمد اليوم جراح من أسال دماءها بالأمس.

تتويج أممي ورحلة نحو المستقبل

إن إرث الكويت من السلام والعطاء، دفع الإنسانية عام 2014م إلى منحها لقب «مركز العمل الإنساني»، واليوم؛ لا تقف الكويت عند حدود إنجازات الماضي، بل تشرع أبواب المستقبل من خلال «رؤية 2035»، رحلة من الصمود والسلام يقود أشرعتها اليوم شباب كويتي تربى على مبدأ أصيل انطلق من بوصلة «مبارك الكبير»؛ الكويت تبني ولا تهدم، وتضيء ولا تظلم.

نصوص دستورية صريحة تمنع العدوان، ومليارات تنفق بحب لإعمار الدول وحقن الدماء، تجربة فريدة أثبتت للعالم أن القوة تكمن في الحكمة، وأن السيادة تتجلى في عمل الخير، وأن الكويت ستبقى دائمًا وأبدًا -بحفظ الله وحسن صنيعها- شمس الإنسانية التي لا تغيب، وراية السلام التي لن تنحني.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة