6 مواقف نبوية للتفاؤل في «صلح الحديبية».. مدرسة اليقين والثقة بنصر الله

6 مواقف نبوية للتفاؤل في «صلح الحديبية».. مدرسة اليقين والثقة بنصر الله

لم يكن «صلح الحديبية» مجرد اتفاق سياسي بين المسلمين والمشركين، بل كان مدرسة نبوية في التفاؤل، وحسن الظن بالله، والنظر البعيد في مآلات الأمور، تجلت فيها عظمة القيادة النبوية التي ترى في كل محنة منحة، وفي كل ضيق بابًا إلى الفتح والفرج.

مفهوم التفاؤل

الفأل الصالح هو الكلمة الحسنة التي تحمل البشرى، ففي صحيح البخاري، ومسلم، عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ»، قَالَ: وَمَا الْفَأْلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «‌الْكَلِمَةُ ‌الصَّالِحَةُ ‌يَسْمَعُهَا ‌أَحَدُكُمْ».

وروى البغوي في «معجم الصحابة»، وابن عبدالبر عن عبدِالله بنِ بُريدة، عن أبيه، قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يتطيَّر، فَرَكِبَ بُرَيْدَةُ في سبعينَ راكبًا من أهل بيتِهِ من بني أَسْلَمَ، فَلَقِيَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ليلًا فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَنْتَ؟»، قال: أنا بُرَيدَةُ، فالتفتَ إلى أبي بكر وقال: «يا أبا بكر، بَرَدَ أمْرُنا وصَلُحَ»، ثمَّ قال: «ممَّن؟»، قلت: مِنْ أَسْلَمَ، قال لأبي بكر: «الآن سَلِمْنَا»، ثم قال: «ممّن؟»، قال: مِنْ بني سَهْم، قال: «خرجَ سهْمُكَ»؛ أي فزنا وظفرنا.

من مواقف التفاؤل في صلح الحديبية

1- التفاؤل بتحقق الرؤيا الصادقة:

قال تعالى: (لَقَدْ ‌صَدَقَ ‌اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح: 27)، قال ابن كثير: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُرِىَ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ بِالْبَيْتِ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا سَارُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ لَمْ يَشُكَّ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا تَتَفَسَّرُ هَذَا الْعَامَ، فَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ مِنْ قَضِيَّةِ الصُّلْحِ وَرَجَعُوا عَامَهُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَعُودُوا مِنْ قَابَلَ، وَقَعَ فِي نُفُوسِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، حَتَّى سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ فِيمَا قَالَ: أَفَلَمْ تَكُنْ تُخْبِرُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: «بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ عَامَكَ هَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ»(1).

2- التفاؤل بنزول المطر:

روى البخاري في صحيحه عَنْ ‌زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ‌صَلَّى ‌لَنَا ‌رَسُولُ ‌اللهِ ‌صَلَّى ‌اللهُ ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلَّمَ ‌صَلَاةَ ‌الصُّبْحِ ‌بِالْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ».

قال ابن رجب: إن من أضاف نعمة الغيث وإنزاله إلى الأرض إلى الله عز وجل وفضله ورحمته، فهو مؤمن بالله حقاً، ومن أضافه إلى الأنواء، كما كانت الجاهلية تعتاده، فهو كافر بالله، مؤمن بالكوكب(2).

والناظر في هذا الموقف يجد أنه حدث في «صلح الحديبية»، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، لكنهم في مكان أكثر أهله من المشركين(3)، فهو يلفت أنظار أصحابه والمؤمنين به إلى نسبة الفضل إلى الله تعالى والتفاؤل بكرمه، وعدم الركون إلى المخلوقات أو الاعتماد على الأسباب التي لا تملك لنفسها فضلاً عن غيرها شيئاً.

3- التفاؤل باسم سائق الإبل «ناجية»:

روى البخاري في «الأدب المفرد»، وابن أبي عاصم، والحاكم، بسند صححه الذهبي عَنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي حَدْرَدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ «الْحُدَيْبِيَةِ»: «‌مَنْ ‌يَسُوقُ ‌إِبِلَنَا هَذِهِ؟»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: «مَا اسْمُكَ؟»، قَالَ: فُلَانٌ، قَالَ: «فَاجْلِسْ»، ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: «مَا اسْمُكَ؟»، قَالَ: فُلَانٌ، قَالَ: «فَاجْلِسْ»، ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: «مَا اسْمُكَ؟»، قَالَ: نَاجِيَةُ، قَالَ: «أَنْتَ لَهَا فَسُقْهَا»، ففي الحديث تفاؤل باسمه الذي يدل على النجاة والخير والبركة.

4- التفاؤل بقدوم سهيل بن عمرو لعقد الصلح:

روى البخاري في صحيحه عَنِ ‌الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إلى مكة، حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ، وجاء الناس يفاوضون النبي صلى الله عليه وسلم، حتى جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ سُهِّلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ».

5- التفاؤل ببعض الشروط الصعبة:

رأى الصحابة في بنود الصلح إجحافًا، خاصة ما تضمنه من إعادة من يأتي من مكة مسلمًا دون إذن وليه، فغضب عمر رضي الله عنه غضباً شديداً، وقد روى البخاري في هذا الموقف عن أَبي وَائِلٍ قَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ فَقَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ «الْحُدَيْبِيَةِ» وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا.

فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ فَقَالَ: «بَلَى»، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا أَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: «ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ ‌وَلَنْ ‌يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَدًا».

6- التفاؤل بثمرة الصلح:

بعد عقد الصلح نزل قول الله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) (الفتح: 1)، فسمّى الله هذا الصلح فتحًا، على خلاف ما رآه الناس في ظاهره؛ لأن نتائجه كانت أعظم من معارك سابقة، إذ انفتح باب الدعوة، ودخل الناس في الإسلام بعد الصلح أضعاف مَن أسلموا قبله.

قال ابن القيم: كانت هدنة الحديبية مقدِّمةً بين يدي الفتح الأعظم الذي أعزَّ الله به رسوله وجنده ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهدنة بابًا له ومفتاحًا ومُؤْذِنًا بين يديه(4).

هذه القراءة التفاؤلية لأحداث «صلح الحديبية» تبعث في نفوس المؤمنين أن يترقبوا نصر الله تعالى وعزته لأوليائه وعباده المجاهدين، وإن الأحداث المعاصرة التي تم الاتفاق فيها بإيقاف الحرب في غزة لتفتح قلوبنا وتحرك ألسنتنا بالدعاء أن يكون هذا بداية النصر والعزة.

 



__________________

(1) تفسير ابن كثير (7/ 356).

(2) فتح الباري: ابن رجب (9/ 259).

(3) معرفة السنن والآثار: البيهقي (5/ 181).

(4) زاد المعاد (3/ 367).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة