7 حقوق تحفظ العلاقة بين المتعاقدين

عزة مختار

14 يوليو 2026

77

7 حقوق تحفظ العلاقة بين المتعاقدين

لا تكاد تخلو حياة إنسان من عمليات العقود بكل أشكالها، بيع أو شراء أو توظيف أو حتى تجارة إلكترونية عبر الهواتف والحواسيب، ومع اتساع نطاق هذه المعاملات، وتعقد صورها، أصبح الناس أحوج ما يكونون إلى معرفة المبادئ والحقوق التي تحفظ هذه المعاملات من الوقوع في الظلم.

وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: 1)، فجعل الوفاء بالعقود من مقتضيات الإيمان، وقال سبحانه: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا) (الإسراء: 34)؛ أي أن الإنسان مسؤول يوم القيامة عن العهود والعقود التي التزم بها مع الناس، وأن الإسلام وضع قيوداً لكل طرف حفاظاً على المجتمع من الخلاف والتفكك، ومن أهمها 7 حقوق يجب على المسلم الإحاطة بها، هي:

الأول: الوضوح والشفافية والتوثيق قبل التعاقد:

من أكبر أسباب النزاعات أن يدخل الطرفان في العقد دون فهم كامل للحقوق والالتزامات، أو أن يخفي أحدهما معلومة مؤثرة عن الآخر، ولهذا جاء الإسلام بإقرار مبدأ الوضوح والشفافية في المعاملات، فكانت آية الدَّيْن أطول آية في القرآن لأهميتها في حفظ طبيعة العلاقات المادية بين المسلمين، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) (البقرة: 282)، يقول ابن كثير: في هذه الآية إرشاد إلى حفظ الأموال وصيانة الحقوق بالتوثيق والكتابة(1)، وعن أبي هريرة أنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر»(2). (رواه مسلم).

الثاني: المعاملة بالتراضي دون إكراه:

شرط صحة التعاقد أن يكون بالتراضي، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾) (النساء: 29)، يقول ابن كثير: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال(3).

ومن صور الإكراه اليوم أن يجبر العمال على توقيع عقود مجحفة لهم، أو استغلال قليلي الخبرة لإبرام عقود لا يفهمونها، أو إجراء عقود إلكترونية تخفى فيها الشروط الجوهرية، يقول ابن القيم: إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، فليست من التشريع.

الثالث: الصدق وعدم الغش والخداع:

لقد شدد الإسلام في مسألة الصدق في المعاملات، وجعل الغش والخداع من كبائر الذنوب التي تهدم الثقة بين الناس وتفسد الأسواق، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: 119)، وقال تعالى فيمن غش في الكيل والميزان: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ {1} الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ {2} وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) (المطففين).

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ على صُبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟»، قال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غش فليس مني» (رواه مسلم)، وقال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما» (متفق عليه).

الرابع: الوفاء بالشروط والعهود:

الوفاء بالعقود واجب شرعي يأثم المسلم بتركه إذا لم يكن الشرط محرماً أو مخالفاً للشرع، كأن يكون فيه شيء من الربا أو التجارة المحرمة، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: 1)، وقد وردت الآية بصيغة الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، وأكدت السُّنة النبوية هذا الحكم، فقال صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرَّم حلالًا» (سنن أبي داود)، ومن أشد صور الإخلال بالعقود المماطلة في أداء الحقوق مع القدرة على الوفاء، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم» (متفق عليه)، كمن يؤجل سداد الدين، أو يؤخر أجرة العامل، أو يمتنع عن تنفيذ ما التزم به دون عذر، فقد وقع في الظلم المنهي عنه شرعاً.

الخامس: العدل ومنع الظلم والاستغلال:

الإسلام لا ينظر للعقد بوصفه مجرد ألفاظ تكتب وتوقع، وإنما ينظر إلى العدل الذي يحققه، ومن أجل ذلك حرم الإسلام كل صور الاستغلال المالي، قال تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) (الأعراف: 85)، وقال: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (سنن ابن ماجه).

السادس: رد المظالم وجبر الضرر عند الإخلال بالعقد:

الأصل في الشريعة أن الحقوق لا تسقط، وأن من أتلف مال غيره أو امتنع عن أداء ما وجب عليه، لزمه رد الحق إلى صاحبه، قال صلى الله عليه وسلم: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم..».

السابع: الإحسان والتسامح عند انتهاء المعاملة أو وقوع الخلاف:

الإحسان هو أعلى مراتب المعاملات بين الناس، وقد أمر الله تعالى به إلى جانب العدل فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: 90)، ومن أعلى مراتب الإحسان إنظار المدينين المتعسرين عن السداد رأفة بهم ورحمة، بل والتصدق عليهم بمبلغ الدَّيْن لتفريج كرباتهم، فيقول تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 280).

وعن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل كان يداين الناس، وكان يقول لفتيانه: «إذا أتيتم معسرًا فتجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه» (متفق عليه)، وقال كذلك: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» (رواه البخاري).

الهوامش
  • 1 تفسير القرآن العظيم، ص 243.
  • 2 هي البيوع التي انطوت على مخاطرة أو مقامرة أو جهالة في العاقبة أو الثمن أو المثمن (مختار الصحاح، ص 246).
  • 3 تفسير القرآن العظيم، ص 466.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة