7 محطات في إعداد الجندي المسلم

الجندية في الإسلام ركيزة من ركائزه، ودعامة من دعاماته التي قام عليها وانطلق منها إلى آفاق الأرض ناشراً للخير والعدل، وامتد مفهوم الجندية ليشمل كافة أفراد المجتمع، وليس فقط أولئك الذين يرابطون على الحدود لحماية الأوطان، فكل مسلم جندي يقف على ثغر من ثغور الإسلام.

وانطلاقاً من هذا المفهوم الشامل للجندية، يصير إعداد الجندي المسلم إعداداً لكل أفراد المجتمع، وتنشئتهم وتهيئتهم لحمل رسالة الإسلام والذود عنها، كذلك فهو يشمل كل جوانب الإسلام الروحية والعقلية والخلقية والجسمية.

وبعد الفتوحات الإسلامية واتساع رقعة بلاد الإسلام وتضاعف أعداد المسلمين، اقتضت الظروف لحصر مفهوم الجندية بمصطلحها العسكري على المنتمين رسمياً إلى الأجهزة المسؤولة عن حفظ الأمن الداخلي والخارجي للأمة، وبذلك أصبح مفهوم الجندي اصطلاحاً هو ذلك الفرد المنتمي إلى أي من تلك الأجهزة.

والجندي في الإسلام ليس منوطاً به تحقيق النصر على الأعداء فقط، وإنما في المقام الأول داعية قبل أن يكون مقاتلاً، وإنساناً يفيض بالمشاعر الإنسانية قبل أن يكون شجاعاً مقداماً.

ومن هذا المنطلق جاء هذا الكتاب «إعداد الجندي المسلم أهدافه وأسسه» الذي كان في الأساس رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض للباحث عبدالله بن قريح العقلا، وجاء في 7 محطات، هي:

أولاً: الجندية والجهاد:

عرض المؤلف لمفهوم الجندية قبل الإسلام وبعده من الفراعنة واليونان والرومان والعرب، ثم عرض لمفهوم الجندية في الإسلام واصفاً مراحل تطور الجندية منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم حين كان المسلمون جميعاً مجندين، وكان الجهاد فرض عين على الجميع عدا الفئات التي استثناها القرآن الكريم في قوله تعالى: (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ) (التوبة: 91)، حتى عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أنشأ ما يعرف بـ«ديوان الجند»، وذلك حين كثر عدد المسلمين، وكان للجندي راتب ثابت يكفيه ويكفي أسرته ولا يحق له العمل في أي مهنة أخرى، ومن المسلمين من كتب اسمه في ديوان الجند تطوعاً، فلا يوقف نفسه للحرب، وإنما هو متطوع للجهاد يأخذ من الغنائم وله الحق في الزراعة والتجارة وأي عمل يريد، فلم تكن الجندية إجبارية في ذلك الوقت

يقول الماوردي: المقاتلة صنفان: مسترزقة ومتطوعة، فأما المسترزقة فهم أصحاب الديوان (الموظفون)، وأما المتطوعة فهم الخارجون عن الديوان الذين خرجوا في النفير(1).

ثانياً: الهدف من إعداد الجندي المسلم:

- توفير الأمن الداخلي: وهو يتمحور حول دور رجال الشرطة في درء الجريمة عن أفراد المجتمع وإحلال الأمن والعدل داخل كيانه، وتحقيق العدل قبل الجريمة بمنعها، وبعد الجريمة برد الحقوق لأهلها، ومنها حماية الآداب العامة بمنع الخلوة في المتنزهات بين غير المحارم، ومنها مكافحة المخدرات والمسكرات، ومنها إرشاد المجتمع وتوعيته ومنها تنفيذ الأحكام الرادعة لانتشار الجرائم الجنائية والأخلاقية ومنها تتبع الشائعات وملاحقة أصحابها، ومنها مساعدة المحتاج والعاجز ونجدة المصاب كذلك القبض على المجانين ومنعهم من التجول في الشوارع، وحماية المصانع والمؤسسات والمنازل والوثائق القومية، وأخيراً الدفاع المدني ضد الحرائق وحوادث الغرق وحماية الناس من آثارها.

- تحقيق الأمن الخارجي: عدم تعرض البلاد للغزو الخارجي مطلب حيوي وضروري، لذلك يحرص على تحقيق الأمن الخارجي، ويعمل على توفير العوامل المساعدة على ضمانه سواء العسكرية أو السياسية، وحين لا تجدي الوسائل السياسية فلا بد من إجراءات عسكرية ينتج عنها الأمن من الغزو العسكري للبلاد، ويتحقق من خلاله حماية حدود الدولة.

ولقد جاءت تعاليم الإسلام آمرة بالاهتمام بالأطراف ووجوب المرابطة فيها، وجعل للمرابط الثواب العظيم، وفضل المجاهد على العابد فيقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: 200)، والمرابطون هم الجند المقيمون على الثغور، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها» (أخرجه البخاري).

ومن مهام الجنود كذلك إظهار القوة لإرهاب العدو لقول الله عز وجل: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: 60)، وإطلاق لفظ القوة على العموم يقتضي أن تكون شاملة لكل آلات الحرب ومعدات القتال المناسبة لروح العصر، العلم بصناعتها وصيانتها والتدريب عليها وكذلك الأخذ بأسباب التطور العلمي والتقني.

- حماية الدين: جاء الإسلام ليحقق للإنسان السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة، وذلك بما حمله من تعاليم ومبادئ كفيلة بتحقيق ذلك، ومع أنه جاء بمنهج واضح ودستور كامل لإقامة حياة إنسانية رفيعة، فقد أمر الناس أن يتدبروا في هذا الكون الفسيح، وأن يستخدموا عقولهم في حدود إدراكها لمعرفة آيات الله وسننه، يقول سيد قطب: «إن قضية العقيدة كما جاء بها هذا الدين، قضية اقتناع بعد البيان والإدراك وليست قضية إكراه وغصب وإجبار، ولقد جاء هذا الدين يخاطب العقل المفكر والبداهة الناطقة»(2).

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية أمرهم بالدعوة إلى الإسلام أولاً والخروج من عبادة العباد إلى عبادة الله، فإن استجابوا لذلك كف عن قتالهم، وإلا فالجزية، ليحصل الناس على حريتهم الدينية والاعتقادية.

ومن مهام الجنود كذلك حماية الدعوة حتى تبلغ الناس جميعاً، فيقول الله تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190)، ومن مهامهم كذلك إغاثة المظلومين من المؤمنين أينما كانوا والانتصار لهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» (رواه مسلم).

ثالثاً: مكانة المجاهدين في الإسلام:

الجهاد في الإسلام أمره عظيم، وفضله كبير، لشرف غايته وعظيم نفعه، فغايته إعلاء كلمة الله ليكون الدين كله لله، فهو تجارة رابحة ومضمونة مع الله عز وجل؛ (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 111)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة» (رواه البخاري).

رابعاً: الإعداد النفسي للجنود:

- الصبر والثبات: فاقد الصبر لا يمكن أن يثبت في ميدان المعركة، فالصبر والثبات أولاً ومن ثم النصر.

- التوكل على الله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) (الأحزاب: 3).

- شرف الهدف: الجندي المسلم مؤمن بأن ما يقاتل في سبيله ومن أجله شريعة عادلة تهدف إلى تحرير البشر من الظلم والطغيان.

- الثقة بنصر الله: الجندي المسلم يثق بنفسه وقوته ويؤمن بحقيقة النصر الإلهي للمؤمنين الصادقين في إيمانهم.

- شرف الشهادة: المسلم بإيمانه الصادق وعقيدته الراسخة لا يخاف الموت ولا يخشى القتل في المعركة؛ لأن قتله يعني انتقاله لحياة الخلود الدائم والنعيم المقيم؛ (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران 169).

خامساً: المؤمن لا يعتمد على قوته بل على عون الله:

الجندي المؤمن يتحصن بإيمانه ضد ما يوجه له من حرب نفسية ومادية، فهو يؤمن أن الله معه وناصره رغم قوة العدو وكثرة عدده، وفي هذا قال عمرو بن العاص في «اليرموك»: «فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل»(3).

سادساً: الإعداد البدني والمادي للجندي:

تحتاج العسكرية إلى نوع معين من الرجال، يمتازون بالقوة البدنية وقوة تحمل المشاق في كل الظروف، لذلك كانت الصحة شرطاً للالتحاق بالجندية، ومن الإعداد المادي توفير الأسلحة للمجاهدين وحث الإسلام على التسلح بما في الاستطاعة وبأجود أنواع الأسلحة، ومصادر السلاح يمكن أن تكون مصادر شخصية أو بالاستعارة أو التبرع أو الصناعة أو الاستيراد.

سابعاً: أخلاق الجندي وقت السلم والحرب:

يتحدث الكتاب بتفاصيل عن أهمية الالتزام الخلقي للمسلمين وخاصة الجنود منهم، فيذكرها بالشرح تباعاً، وهي:

- الوفاء واحترام المواثيق.

- الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.

- احترام رسل الأعداء.

- تأمين المحارب حتى يسمع كلام الله.

- حسن معاملة الأسرى.

- الإحسان في القتل.

     

________________________________

(*) أستاذ الثقافة الإسلامية المساعد في كلية الملك عبدالعزيز الحربية.

(1) تاريخ الطبري، ج8، ص320.

(2) طريق الدعوة في ظلال القرآن، ج1، ص286.

(3) ابن كثير، البداية والنهاية، ج7، ص9.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة