«الخلاوي» و«المسيد».. ضحايا جدد لـ«الدعم السريع» في السودان

خالد محمد علي

10 ديسمبر 2025

643

«الخلاوي» و«المسيد».. ضحايا جدد لـ«الدعم السريع» في السودان

يعاني التعليم الديني التقليدي في السودان، ممثلاً في مؤسسات الخلاوي والكتاتيب والمسيد، من أزمة وجودية غير مسبوقة بسبب الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» منذ أبريل 2023م.

وتفاقمت هذه الأزمة جراء الإهمال التاريخي المزمن والتدمير المباشر للمنشآت وتحويل بعضها لأغراض عسكرية، وانهيار الاقتصاد، وتشريد ملايين السكان، حيث أدت هذه العوامل مجتمعة إلى تسرب جماعي للتلاميذ والمعلمين؛ ما يهدد بانقراض نظام تعليمي كان لقرون حارسًا للهوية الإسلامية واللغة العربية ومزودًا بمبادئ التعليم الأساسي لملايين السودانيين، خاصة في المناطق الريفية، ومن الملاحظ أن الخلاوي تعرضت لإهمال تاريخي طويل قبل الحرب، وكانت «تعاني من إهمال كبير جداً» وفقًا لاعتراف رسمي، حيث افتقرت للدعم الكافي من الدولة فيما يتعلق بالبنية التحتية والخدمات البيئية والمعيشية.

الخلاوي تحفظ الهوية واللغة

الخلاوي والمسيد مؤسسات تعليمية دينية تقليدية في السودان تركز أساسًا على تحفيظ القرآن الكريم وتدريس مبادئ اللغة العربية والفقه الإسلامي، ويعود تاريخها إلى قرون، حيث كانت قبل ظهور التعليم النظامي الجهة التعليمية الأساسية في البلاد.

وتتجاوز الخلوة كونها مدرسة، فهي مؤسسة متكاملة تجمع بين المسجد وفصول الدراسة ودار إيواء الطلاب القادمين من مناطق بعيدة؛ ما جعلها تؤدي دورًا اجتماعيًا وتربويًا مركزيًا، ويعتمد نظامها على التلقي المباشر من الشيخ واستخدام الألواح الخشبية للكتابة، وجدول زمني صارم يبدأ قبل الفجر، وكان الطلاب يتعلمون ليس فقط القرآن، بل أيضًا مكارم الأخلاق والأدب وفقه العبادات، وكانت هذه المؤسسات تنتشر في الحضر والبوادي على حد سواء، وتستقبل طلابًا من مختلف أنحاء السودان ودول مجاورة مثل تشاد وأفريقيا الوسطى.

وكل هذا الزخم الذي كانت تؤديه الخلاوي في مجال التعليم الديني مهدد اليوم بالانهيار بفعل حرب جاءت للقضاء على كل شيء.

تدمير شامل

أدت الحرب التي تشنها قوات «الدعم السريع» على الجيش والشعب السوداني، إلى تدمير شامل لمنظومة التعليم ككل، وكان للتعليم الديني التقليدي نصيب كبير من هذا الدمار، حيث دُمّرت أو تضررت عشرات الخلاوي والمسيد، خاصة في مناطق الاشتباكات المباشرة مثل الخرطوم ودارفور وكردفان، وحولت «الدعم السريع» العديد من هذه المؤسسات إلى ثكنات عسكرية أو مراكز إيواء للنازحين؛ ما أفقدها وظيفتها التعليمية الأصلية تمامًا، وذلك بعد انهيار معظم الخلاوي الدينية تحت قصف المدفعية والمسيرات على الرغم من لجوء عدد كبير من النازحين إليها طلبًا للحماية باعتبارها مظلة أمان يجب أن تقدسها جميع الأطراف.

تسرب التلاميذ وهروب المعلمين

لا توجد إحصائية رسمية دقيقة عن عدد الطلاب الذين تسربوا من الخلاوي تحديدًا بسبب الحرب، ولكن الأرقام المتعلقة بالتعليم العام تُظهر حجم الكارثة التي طالت جميع القطاعات التعليمية، وأشارت تقديرات منظمة «يونيسف»، في مارس 2025م، إلى أن 19 مليون طفل سوداني ما يعادل 90% من الأطفال في سن التعليم لا يتلقون تعليمًا رسميًا.

كما أفادت التقارير بأن 17 مليون طفل خارج المدرسة منذ عامين بسبب الحرب، وكان من بين هؤلاء عدد كبير من الأطفال يلتحقون بالتعليم الديني بالخلاوي والمسيد، حيث حرمت الحرب هؤلاء ليس فقط من التعليم، بل أيضًا من المأوى والرعاية التي كانت توفرها الخلاوي لطلابها.

ولأن أثر الحرب كان مدمرًا، فإن معلمي الخلاوي يعانون مثل نظرائهم في التعليم النظامي من انخفاض الدخل وتوفر الأمان داخل المدرسة، حيث يعتمد الكثير من مشايخ الخلاوي على التبرعات والنذور من المجتمع، التي جفّت مع انهيار الاقتصاد وتشريد السكان، وبسبب الحرب نزح آلاف المعلمين من مناطق الصراع، وفقد بعضهم منازلهم وممتلكاتهم، واضطر عدد كبير من المعلمين إلى الهرب داخل البلاد أو إلى دول الجوار، وأجبر البعض إلى ممارسة مهن بديلة تمامًا للبقاء على قيد الحياة؛ ما يعني خسارة كوادر ذات خبرة تراكمية يصعب تعويضها.

ورغم غياب الإحصاءات الدقيقة لعدد «الخلاوي» والكتاتيب المدمرة بعد الحرب، فإن إحصاءات ما قبل اندلاع التمرد كانت تشير إلى أن السودان كان عامرًا بـ30 ألفاً من الكتاتيب والخلاوي التي كانت تنتشر في كل المدن والقرى، حيث كانت الخلاوي موجودة بقوة في المدن السودانية الكبرى مثل أم درمان والخرطوم ومدن الأقاليم، وكانت تؤدي دورًا مزدوجًا، في تحفيظ القرآن وتوفير التعليم لأبناء الفقراء ومتوسطي الدخل من الريف وفقدت العديد من المدن هذه المراكز بسبب القصف والنزوح.

تهديد الهوية الإسلامية

تؤدي الخلاوي دورًا حيويًا في الحفاظ على الهوية الإسلامية واللغة العربية في السودان، خاصة في المناطق الطرفية، وتدهورها يسرع من انهيار هذا الحارس التقليدي للهوية، وتزداد الخطورة مع انهيار التعليم النظامي والتقليدي معًا، فإن جيلًا كاملًا معرض لخطر الارتداد إلى الأمية، وفقدان المهارات الأساسية في القراءة والكتابة التي كانت توفرها الخلاوي.

اختفاء الخلاوي

يحذر كثير من الخبراء من اختفاء الخلاوي والكتاتيب بشكلها التقليدي الذي عرفت به على مر العصور، حيث كانت تقام وفقاً لتبرعات القادرين من أبناء السودان، وبعد تحول معظم أبناء الشعب إلى نازحين ولاجئين يبحثون عن المأوى، فإن الأولوية ستكون لإعادة إعمار بيوتهم المهدمة، إضافة إلى إلحاق أبنائهم بما تبقى من المدارس الرسمية.

ومما يدعو للتفاؤل أن هناك دعوات لإصلاح النظام القديم للخلاوي دعا إليها وزير الشؤون الدينية والأوقاف في أبريل 2025م لتحسين وضع الخلاوي، وإدخال الحرف المهنية وتحسين المناهج والنظم الإدارية لديها، وفي هذا الإطار، ظهرت على أرض الواقع نماذج للتطوير مثل مدارس تاج الحافظين ونور البيان ومؤسسة «ترتيل»، التي تدمج بين منهج حديث لتحفيظ القرآن والتعليم الأكاديمي في العلوم والرياضيات، بهدف تخريج جيل يجمع بين الإتقان الديني والمهارات العصرية.

ويحتاج الإصلاح إلى التمويل المستمر عبر الشراكات الدولية، وإعادة تأهيل للمعلمين، وربط هذه المؤسسات بالتقنية والاقتصاد كي تكون جزءًا من حل لمشكلة التعليم.

ويبقى أن التمرد حول التعليم الديني الذي كان يحفظ للسودان هويته الإسلامية ولغته وثقافته العربية إلى ضحية أخرى من ضحايا هذه الحرب المجنونة التي توشك أن تمحو كل أثر للسودان العريق بثقافته وهويته.



اقرأ أيضاً:

«الدعم السريع» وتشويه الإسلام

3 كوارث أسرية وتعليمية خلفتها الحرب في السودان

تحديات التربية في مخيمات النزوح.. السودان نموذجاً

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة