«الإسرائيليون» يفرون.. والمشروع الصهيوني يتآكل!
يبدو أن المستوى
العالي من الازدهار والأمن، الذي تم تقديمه تاريخيًا كمحددات رئيسة للوجود «الإسرائيلي»،
يتدهور بسرعة الآن في ضوء هذه المواجهة الشرسة ومتعددة الجبهات مع إيران والمقاومة
الفلسطينية.
فقد كشفت تقارير
حديثة عن هروب مئات الآلاف من «الإسرائيليين» سرًا من الصراع المتصاعد عبر الموانئ
الترفيهية وسط الإغلاق الواسع النطاق للمطارات التجارية.
وقد تناول موقع «أخبار
من الميدان» (News from
the Field) تفصيليًا
مشاهد لأعداد كبيرة من «الإسرائيليين» يسافرون إلى سيناء ومن هناك إلى مطار
العريش، في طريقهم إلى أوروبا أو وجهات أخرى، وهو نزوح يائس بدافع الخوف وعدم
اليقين.
وعود
تتبخر
معلوم أن «إسرائيل»
تأسست على وعدين أساسيين؛ أمن لا يمكن المساس به، وازدهار متنامٍ لا يتوقف.
ولذلك، فعندما
يُطلب من المواطن أن يقاتل بلا توقف في غزة وفي لبنان، وأن يقتحم الضفة الغربية
مرارًا وتكرارًا، ثم يواجه بعد ذلك رعب القصف بالصواريخ الإيرانية، لا يجد أمامه
خياراً إلا الهروب.
نضف إلى ذلك
التداعيات الاقتصادية المدمرة للحرب المتواصلة تزيد من تفاقم هذه المشكلة.
لا يمكن لأي
دولة، بغض النظر عن مرونتها أو الدعم الخارجي الذي تتلقاه، أن تشن حروبًا متصلة
لأجل غير مسمى وتحافظ على اقتصاد مستقر ومزدهر، وحتى مع المساعدة المالية
والعسكرية الأمريكية الهائلة التي لا تتزعزع، فإن علامات الأزمة الاقتصادية الحادة
في «إسرائيل» باتت هائلة، والأهم من ذلك، أن الهجرة العكسية قد تفاقمت، وهذا مؤشر
عميق على تآكل المشروع الصهيوني.
لا شك أن أي
احتلال لا يهزم بالضربة القاضية، والذي يحدث أن الاحتلال ينزف ويتآكل تدريجيًا
وباستمرار، حتى يصل إلى نقطة الإجهاد الذي لا يطيقها، ويفقد عمقه الإستراتيجي، وبُعده
الدولي، ليتحول في النهاية، لدولة غير قابلة للحياة.
وهذه هي الحال
بالنسبة للاحتلال الصهيوني، وهو على الرغم من انتصاراته التكتيكية، فإنها كلها
انتصارات عابرة، تتآكل بمرور الوقت لأن الداخل «الإسرائيلي» منهك ومصدوم من هذه
الحروب الدائمة.
سكان الكيان
يواجهون الآن حقيقة قاسية وغير مرحب بها: ليس لديهم سوى خيار الآن؛ مغادرة فلسطين
المحتلة، سواء بشكل دائم أو مؤقت.
الإحصاءات
تتحدث
تقدم البيانات
الديموغرافية الحديثة رؤى مقلقة حول هذه الظاهرة، أفادت «Macrotrends» أن صافي الهجرة إلى «إسرائيل» لعام 2022م هو 50004، وتشير أرقام
أحدث وأكثر إثارة للقلق من مركز أبحاث ومعلومات الكنيست إلى أنه في عام 2024م،
غادر ما يقرب من 82700 «إسرائيلي» البلاد، مسجلين زيادة كبيرة عن الأعوام السابقة.
وقد كشف استطلاع
أجري عام 2022م، ونقله موقع «WifiTalents» أن حوالي 64% من «الإسرائيليين» الذين
يفكرون في الهجرة فعلوا ذلك لأسباب سياسية، بينما ذكر 45% منهم أنهم غادروا لأسباب
اقتصادية، حيث إن التكلفة المتزايدة للمعيشة وارتفاع أسعار المساكن من العوامل المهمة
للهجرة، خاصة بالنسبة للعائلات الشابة.
ثمن
اقتصادي مدمر
إن الثمن
الاقتصادي للصراع المستمر ثمن مدمر، يقدر بنك «إسرائيل» أن التكاليف المتعلقة
بالحرب من عام 2023 إلى عام 2025م قد تصل إلى 55.6 مليار دولار، في الربع الأخير
من عام 2023م، شهد الاقتصاد «الإسرائيلي» انكماشًا غير مسبوق بنسبة 20%، ويعزى ذلك
إلى حد كبير إلى النقص الحاد في اليد العاملة والتعبئة الهائلة لـ300 ألف جندي
احتياطي، وقد انخفض الاستهلاك الخاص بنسبة 27%، وشهد الاستثمار التجاري تراجعًا
مذهلاً بنسبة 67.8%، وبينما كان هناك نمو متواضع في الربع الأول من عام 2025م
(3.4%)، إلا أن هذا كان مدفوعًا إلى حد كبير بزيادة الإنفاق الحكومي على المجهود
الحربي والبناء السكني، مما يخفي نقاط ضعف أساسية.
وكما عبر
الجنرال «الإسرائيلي» السابق يائير جولان: «لا تشارك دولة عاقلة في القتال ضد
المدنيين، ولا تقتل الأطفال كهواية ولا تحدد لنفسها أهدافاً تتمثل في طرد السكان»!
مثل هذه الانتقادات الداخلية الصريحة، حتى لو تم التراجع عنها جزئيًا لاحقًا، تؤكد
بشكل لا لبس فيه خيبة الأمل المتزايدة داخل المجتمع «الإسرائيلي» فيما يتعلق
بطبيعة واستدامة تصرفات دولتهم.
عقود
من الظلم والتهجير والاضطهاد الممنهج
من منظور
فلسطيني، فإن الواقع الحالي ليس مجرد أزمة، بل استمرار وحشي لعقود من نزع الملكية
والتهجير والاضطهاد الممنهج، فقد وثقت منظمة العفو الدولية في مايو 2025م، كما
أكدت صور الأقمار الصناعية بشكل مروع التسوية الكاملة لمدن بأكملها في قطاع غزة،
وهذه إبادة جماعية.
وأفاد مكتب
الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (UNOCHA)، أنه منذ 7
أكتوبر 2023م، قُتل ما لا يقل عن 54607 فلسطينيين، مع آلاف آخرين مفقودين، ويُعتقد
أنهم لقوا حتفهم تحت الأنقاض.
ويفيد الجهاز
المركزي للإحصاء الفلسطيني (PCBS)، كذلك، أن عدد سكان غزة انخفض بنسبة 6%
بحلول نهاية عام 2024م، وهي نتيجة مباشرة ومدمرة للهجوم «الإسرائيلي» المتواصل، وهذا
الواقع يغذي حتمًا رغبة شديدة وثابتة في تقرير المصير والحرية وإنهاء الاحتلال،
حيث إن محاولة المرء أن يمارس الحياة الطبيعية في ظل هذه الظروف مجرد عبث!
لا
يأبهون لما يسمى المجتمع الدولي
وقد أعربت
المصادر الغربية والعربية على حد سواء عن إدانات عميقة للإجراءات والسياسات «الإسرائيلية»،
فعلى سبيل المثال، أدان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر بشدة
دعوات الوزراء «الإسرائيليين»، مثل: بتسلئيل سموتريش، وإيتمار بن غفير، إلى هجرة
الغزيين باعتبارها تحريضية وغير مسؤولة، مكررًا بشكل لا لبس فيه أن غزة أرض
فلسطينية وستبقى أرضًا فلسطينية.
وبالمثل، عارض
بيان مشترك صادر عن قادة المملكة المتحدة وفرنسا وكندا، في مايو 2025م، بشدة توسيع
العمليات العسكرية «الإسرائيلية» في غزة، مشيرين إلى أن مستوى المعاناة الإنسانية
في غزة لا يطاق، وقد دعوا الحكومة «الإسرائيلية» صراحة إلى وقف عملياتها العسكرية
في غزة والسماح فورًا بدخول المساعدات الإنسانية، وحذروا من أنه إذا لم توقف «إسرائيل»
هجومها وترفع قيود المساعدات، فإنهم سيتخذون إجراءات ملموسة أخرى ردًا على ذلك، وأعربوا
عن معارضتهم لأي محاولة لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، ورغبتهم في وقف بناء المستوطنات غير القانونية التي تقوض
قابلية قيام دولة فلسطينية وأمن كل من «الإسرائيليين» والفلسطينيين.
وأخيراً، فإن
التدقيق القانوني الدولي المستمر، والمتضمن لرأي محكمة العدل الدولية (ICJ)، في يوليو
2024م، الذي قضى بأن سياسات وممارسات «إسرائيل» المتمثلة في ضم أجزاء كبيرة من
الأراضي الفلسطينية المحتلة، يزيد من عزلة «إسرائيل» على الساحة العالمية، هذا
الضغط المتزايد، بالإضافة إلى النزيف الداخلي لسكانها واقتصادها، يشير إلى أن تآكل
المشروع الصهيوني، الذي كان مدعومًا في السابق بروايات الأمن والازدهار، لم يعد
مصدر قلق نظري فقط، بل حقيقة ملموسة.
إن أسس المشروع
الصهيوني تتزعزع بسبب إرهاق شعبها وزيادة وزن الاستنكار الدولي الذي لا يمكن
إنكاره، لم يعد السؤال هو: ما إذا كان سيتفكك، بل بأي وتيرة يمكن أن يحدث ذلك؟ وأي
مسار ستختاره «إسرائيل» في مواجهة هذه الأزمة العميقة والوجودية.
___________________
1- News from the Field website.
2- Israel Net Migration (1960-2024).
3-Knesset Research and Information Center (cited by The
Jerusalem Post).
4-WifiTalents: Emigration from Israel Statistics:
Reports 2025.
5-Palestinian Central Bureau of Statistics (PCBS).
6- UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs
(UNOCHA).