«انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً».. دستور الولاء في الإسلام

محمد الحداد

12 أبريل 2026

120

أكمل الله عز وجل للمسلمين الدين، فلم يترك لهم من عظائم الأمور أو صغائرها ما يجعلهم مستغنين عنه، ومن ذلك فكرة الولاء لأهل الإسلام، فحين ضاقت بأهل الأهواء من الناس ذلك العقد اضطُرُّوا لإنتاج ولاءات متخيلة ليجتمعوا، بخلاف أهل الدين المرضى، فلديهم ما يجتمعون عليه، ولديهم ما يحذرهم من الفرقة عنه، قال عز من قائل: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: 103).

وقد سمعت مرة من مزدرٍ للدين قوله: «ليس عندنا «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» مثلكم»، فوقع في نفسي ازدراء فهمه حتى قبل الرد عليه بتعريفه بقية الحديث، فإن في الحديث عظمةً وجلالًا يعجز عن فهمها مثله، وهذا فصل عابر في بيان تلك العظمة وهذا الجلال.

معنى النصرة

النصرة من النصر والعون، وضدها الخذلان، ونَصَرَه أي أعانه وقوَّاه، قال الله عز وجل: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) (الأنفال: 72)، وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: «وأَمَرَنا -أي رسول الله صلى الله عليه وسلم- بسَبعٍ: بعيادةِ المريضِ، واتِّباعِ الجنائِزِ، وتَشميتِ العاطِسِ، ورَدِّ السَّلامِ، وإجابةِ الدَّاعي، وإبرارِ المُقسِمِ، ونَصرِ المظلومِ» (رواه البخاري (5863) واللفظ له، ومسلم (2066)).

النصرة للمسلم ظالمًا ومظلومًا

ونص الحديث الذي هو دستور الولاء في الإسلام ما رواه أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «انصُرْ أخاك ظالِمًا أو مظلومًا»، فقال رجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، أنصُرُه إذا كان مظلومًا، أفرأيتَ إذا كان ظالمًا كيف أنصُرُه؟ قال: «تحجُزُه أو تمنَعُه من الظُّلمِ؛ فإنَّ ذلك نَصرُه» (رواه البخاري، 6952)، وقد رواه جَابِرُ بن عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللَّهُ عنه أيضًا بلفظِ: «ولْينصُرِ الرَّجُلُ أخاه ظالمًا أو مظلومًا، إن كان ظالِمًا فلْيَنْهَه فإنَّه له نَصرٌ، وإن كان مظلومًا فلْيَنصُرْه» (رواه مسلم، 2584).

وفي هذا الحديث تعريف بحكم النصرة، ومن تجب نصرتهم، والحالات المختلفة للنصرة، وكيفية النصرة فيها جميعًا، فأما حكم النصرة للمسلم فهي واجبة شرعًا وليست من المستحبات فحسب، وأما تعريف من يجب نصرته فهو المسلم؛ فهذه رابطة الولاء التي تبني الأفعال فرعًا عن وجود أصل الإيمان، فإن بين المؤمنين عقدًا فرضه عليهم إيمانهم وربط بعضهم ببعض به، فما كان زائدًا على هذا من وجود المثالب فهو موضع التغيير الذي يجب أن يعين بعضهم بعضًا على إزالته.

وأما الحالات المختلفة للنصرة؛ فمعروف بداهة أن رفع الظلم عن المسلم إن كان مظلومًا متعيِّن على كل قادر، وهذا ما يظهر في هذا الحديث ولم يسأل عنه الصحابة رضي الله عنهم لكونه ظاهرًا، وأما إن كان ظالمًا فيظهر أن عقد الإيمان المفروض على جميع المؤمنين أوجب عليهم الانتصار للحق وإن لم يحزه أحدهم، فكان الانتصار للمؤمن الذي حصَّل أصل الإيمان أن يُعان على التمسك به وترك ضده.

جماليات تشريع النصرة

وإن في هذا التشريع من الجماليات ما يُبهر الألباب وتقر به النفوس، ومن ذلك:

1- أن فيه تعظيماً لنعمة الله عز وجل على المؤمنين، قال الله تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا).

2- أنه يُرجع دائمًا عند الاختلاف إلى معيار واضح يجب التمسك به؛ وهو الحق، فالنصرة للمظلوم أو الظالم هي في حقيقتها نصرة للحق الذي يجب التمسك به.

3- أنه ينشر روح الأُلفة وشدة الرابطة بين أهل الإيمان، فيعلم كل مسلم أن له نصيرًا وظهيرًا هو دونه، فيخف مصابه بذلك.

4- أنه يُرجع الظالم إلى رشده، فلا يسترسل فيما يضر به نفسه وإخوانه، فيجفف منابع الظلم من مبدئها.

5- أنه يُمسِّك أهل الإيمان جميعًا بأساس التشريع لديهم وهو القرآن الكريم ليعرفوا منه الحق من الباطل؛ فيستقيموا عليه وينفي بعضهم خَبَث بعض.

آثار تشريع النصرة واقعًا

وإن آثار هذا التشريع تظهر على المستويين النظري والعملي:

أما النظري: فإنه تشريع عام جامع لعدة تشريعات، منها ما رواه عَبدالله بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «المُسلِمُ أخو المُسلِمِ لا يَظلِمُه ولا يُسلِمُه، ومَن كان في حاجةِ أخيه كان اللهُ في حاجتِه، ومَن فَرَّج عن مُسلِمٍ كُربةً فَرَّج اللهُ عنه كُربةً مِن كُرُباتِ يومِ القيامةِ، ومَن ستَر مُسلِمًا ستَرَه اللهُ يومَ القيامةِ» (رواه البخاري (2442) واللفظ له، ومسلم (2580))، فماذا يُتصوَّر من الخير الذي قد يعمُّ بين أهل الإيمان وقت التمسك بتلك الشرائع العظيمة؟!

وأما العملي: فهو ما يُرى في الواقع وفي التاريخ من آثار ذلك، فأما في الواقع فلا يُقارَن أهل الإسلام بغيرهم في الفزعة لبعضهم بعضاً والتواسي بالمال والتعاون على البر، ولا ينكر ذلك إلا جاحدٌ، وأما في التاريخ فها هي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم شاهدةً على نصرته للمظلومين فرادى وجماعات.

فقد روى أبو مسعودٍ البَدريِّ، قال: كُنتُ أضرِبُ غُلامًا لي بالسَّوطِ، فسَمِعتُ صوتًا مِن خَلفي: «اعلَمْ أبا مسعودٍ»، فلم أفهَمِ الصَّوتَ من الغَضَبِ، قال: فلمَّا دنا منِّي إذا هو رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فإذا هو يقولُ: «اعلَمْ أبا مسعودٍ، اعلَمْ أبا مسعودٍ»، قال: فألقَيتُ السَّوطَ مِن يدي، فقال: «اعلَمْ أبا مسعودٍ أنَّ اللَّهَ أقدَرُ عليك منك على هذا الغُلامِ»، قال: فقُلتُ: لا أضرِبُ مملوكًا بعدَه أبدًا. (مسلم، 1659).

وظلت سيرته صلى الله عليه وسلم على نصرة للمظلوم في جميع مغازيه، وقد روى أصحاب السير أن خزاعة دخلتْ في عقدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعد «الحديبية»، ودخلتْ بنو بكرٍ في عقدِ قريشٍ فمكثوا في الهُدنةِ نحوَ سبعة أو ثمانية عشر شهرًا، ثم إن بني بكرٍ الذين دخلوا في عقدِ قريشٍ وثبوا على خزاعةَ الذين دخلوا في عقدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فركب عمرُو بنُ سالمٍ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عند ذلك يخبرُه الخبرَ فلما قدِم عليه أنشدَه:

اللَّهم إني ناشدٌ محمدًا

حِلف أبينا وأبيه الأتْلَدَا

إنَّ قريشًا أخلفوكَ الموعدَا

ونقضوا ميثاقَك المؤكَّدَا

هم بيَّتونا بالوتيرِ هجدَا

فقتلونا ركَّعًا وسُجَّدًا

فانصرْ رسولَ اللهِ نصرًا عتدَا

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «نُصِرتَ يا عمرُو بنَ سالمٍ»، ثم أمر الناسَ فتجهزوا. (أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (5/ 5)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (4906)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (43/ 519) بلفظ مقارب).

ودوننا أبو بكر الصديق الذي نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالته كما لم ينصره أحد، وذلك منذ مبدأ الدعوة الإسلامية إلى نهاية حياته، فبينما كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي بفِناءِ الكَعبةِ إذ أقبَلَ عُقْبةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ، فأخذَ بمَنكِبِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولَوى ثَوبَه في عُنُقِه فخَنقَهُ خَنقًا شَديدًا، فأقبَلَ أبو بكر فأخذَ بمَنكِبِه ودَفَعَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال: أتَقتُلونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ. (رواه البخاري، 4815)، ومثال ذلك كثير في سيرته رضي الله عنه.

ودوننا صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، فقد كان في بيتِ المَقدِسِ شابٌّ مأسورٌ من أهلِ دِمَشقَ كتب هذه الأبياتَ وأرسَلَ بها إليه على لِسانِ القُدسِ، فقال:

يا أيُّها المَلِكُ الذي      لمعالِمِ الصُّلْبانِ نَكَّسْ

جاءت إليك ظُلامةٌ    تسعى من البَيتِ المُقَدَّسْ

كُلُّ المساجِدِ طُهِّرَت   وأنا على شَرَفي مُنَجَّسْ

فكانت هذه الأبياتُ الدَّاعية له إلى فَتحِ بَيتِ المَقدِسِ. (الأنس الجليل للعليمي الحنبلي، 1/ 318، 319).

ودوننا ابن تيمية الذي لم يترك أسيرًا لدى التتار يقدر على إخراجه إلا أخرجه، قال رحمه الله: وقد عرَف النَّصارى كُلُّهم أنِّي لمَّا خاطَبْتُ التَّتارَ في إطلاقِ الأسرى وأطلقَهم غازان وقطلو شاه، وخاطَبْتُ مولاي فيهم فسَمَح بإطلاقِ المُسلِمين، قال لي: لكِنَّ معنا نصارى أخَذْناهم من القُدسِ، فهؤلاء لا يُطلَقون، فقُلتُ له: بل جميعُ من معك من اليهودِ والنَّصارى الذين هم أهلُ ذِمَّتِنا؛ فإنَّا نفتَكُّهم ولا نَدَعُ أسيرًا لا من أهلِ المِلَّةِ ولا من أهلِ الذِّمَّةِ. وأطلَقْنا من النَّصارى من شاء اللهُ، فهذا عمَلُنا وإحسانُنا، والجزاءُ على اللهِ. (مجموع الفتاوى، 28/ 617، 618).

اقرأ أيضا:

5 أسباب توجب على المسلمين ضرورة نصرة المظلوم

ترسيخ مفهوم النُّصرة

5 أدلة على تحريم خذلان أهل الإيمان

النصرة في ميزان الإسلام طريق لإقامة العدل

 

 

 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة