إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني
كلمة «إحلال» من
فعل «أحلَّ»، والاستعمار الاستيطاني الإحلالي يُطلَق على هذا النوع من الاستعمار
حين يقوم العنصر السكاني الوافد (عادةً الأبيض) بالتخلص من السكان الأصليين إما عن
طريق الطرد أو عن طريق الإبادة حتى يُفرغ الأرض منهم ويحل هو محلهم.
الاستعمار الإحلالي عبر التاريخ
وفي أمريكا
اللاتينية، كان هدف الاستعمار الاستيطاني هو استغلال كلٍّ من الأرض وسكانها عن
طريق إنشاء المزارع الكبيرة التي يقوم السكان الأصليون بزراعتها لتحقيق فائض
القيمة من خلالهم، ولذا لم يُطرَد السكان الأصليون.
أما في الولايات
المتحدة، فقد كان المستوطنون البيوريتان يبغون الحصول على الأرض فقط لإنشاء مجتمع
جديد، فكان طرد أو إبادة السكان الأصليين وإحلال عنصر جديد محل العنصر القديم
أمراً لا مفر منه. وكانت جنوب أفريقيا، حتى عهد قريب، من هذا النوع الإحلالي، فنجد
أن المستوطنين البيض استولوا على خير أراضيها وطردوا السكان الأصليين منها.
ولكن، بمرور
الزمن، طرأت تغيرات بنيوية على الدولة الاستيطانية في جنوب أفريقيا، وأصبح تحقيق
فائض القيمة واستغلال السكان الأصليين أحد الأهداف السياسية. ولذا، كان يوجد في
جنوب أفريقيا استعمار استيطاني يقوم بتجميع السود في أماكن عمل ومدن مستقلة
(بانتوستان) تقع خارج حدود المناطق والمدن البيضاء، ولكنها تقع بالقرب منها حتى
يتسنى للعمال السود الهجرة اليومية داخل المناطق البيضاء للعمل فيها.
خصوصية الاستعمار الصهيوني في فلسطين
والأمر بالنسبة
لـ«إسرائيل» لا يختلف كثيراً عنه في جنوب أفريقيا إذ أن الهدف من الصهيونية هو
إنشاء دولة وظيفية قتالية تستوعب الفائض البشري اليهودي وتقوم بحماية المصالح
الغربية. وحتى تحتفظ هذه الدولة بكفاءتها القتالية، لابد أن تظل هذه الدولة بمعزل
عن الجماهير (العربية) التي ستحارب ضدها، ولذا كان طرد العرب من نطاق الدولة
الصهيونية ضرورياً حتى تظل يهودية خالصة، فكأن يهودية الدولة مرتبطة بوظيفتها
القتالية ووظيفتها مرتبطة بإحلاليتها.
وقد كان
جابوتنسكي مدركاً لشيء من هذا القبيل حين بيَّن أن الدولة الصهيونية المحاطة
بالعرب من كل جانب، ستسعى دائماً إلى الاعتماد على "إمبراطورية قوية غير
عربية غير إسلامية". وقد اعتبر جابوتنسكي هذه الانعزالية "أساساً إلهياً
لإقامة تحالف دائم بين إنجلترا وفلسطين اليهودية (واليهودية فقط) ". (يرى
أعضاء الجماعات الوظيفية أن عزلتهم علامة من علامات الاختيار الإلهي ومن علامات
تميُّزهم على العالمين)، وإصرار جابوتنسكي على صفة اليهودية هو إصرار على العزلة،
فالعزلة هي أساس الكفاءة الوظيفية. ففلسطين عربية ستدور في الفلك العربي (على حد
قوله)، بل وستهدد المصالح الغربية (على حد قول نوردو)، ذلك لأن العرب عنصر مشكوك
في ولائه.
أما فلسطين
اليهودية (الوظيفية) ذات التوجه الحضاري الغربي فستكون حليفاً موثوقاً به وسيشكل
سكانها عنصراً موالياً للغرب بشكل دائم، فهو بسبب عزلته لا ينتمي للمنطقة (على حد
قول جابوتنسكي ونوردو ووايزمان).
دوافع التهويد وطرد العرب
وقد قام
الصهاينة بتهويد دوافع طرد العرب بطرق مختلفة. وتذهب العقيدة الصهيونية إلى أنها
تهدف إلى توطين اليهود في دولة يهودية خالصة (ومن ثم طرد العرب) لأيِّ سبب من
الأسباب الآتية:
1- أن تصبح
الدولة مركزاً ثقافياً ليهود العالم.
2- أن يحقق
اليهود حلمهم الأزلي بالعودة لوطنهم الأصلي.
3- أن يتم تطبيع
الشخصية اليهودية حتى يصبح اليهود أمة مثل كل الأمم (ومن هنا المفاهيم العمالية
المختلفة عن اقتحام العمل والحراسة والزراعة والإنتاج).
4- أن يؤسس
اليهود دولة يمارسون من خلالها سيادتهم ومشاركتهم في صنع القرار والتاريخ.
وعلى كل صهيوني
أن يختار الديباجات التي تلائمه. ولكن، مهما كانت الدوافع، فإن الأمر المهم هو أن
تكون الدولة المُزمَع إنشاؤها دولة يهودية خالصة ليس فيها عنصر غير يهودي بحيث
أصبح حضور الدولة يعني غياب العرب (ومن ثم أصبح حضور العرب يؤدي إلى غياب الدولة)،
ومن هنا طرح كل من الاستعماريين غير اليهود والصهاينة اليهود شعار «أرض بلا شعب
لشعب بلا أرض». ولكن مثل هذه الأرض لا
توجد إلا على سطح القمر (على حد قول حنه أرنت). ولذا، كان يتحتم على الاستعمار الصهيوني أن
يستولي على قطعة أرض ثم يفرغها من سكانها عن طريق العنف. ولذا فطرد الفلسطينيين من
أراضيهم جزء عضوي من الرؤية الاستيطانية الصهيونية، ولا تزال هذه هي السمة
الأساسية للاستعمار الصهيوني في فلسطين، فهو استعمار استيطاني إحلالي، وإحلاليته
إحدى مصادر خصوصيته بل تفرُّده، وهي في الواقع مصدر صهيونيته ويهوديته المزعومة.
وإخلاء فلسطين
من كل سكانها أو معظمهم (على أقل تقدير) هو أحد ثوابت الفكر الصهيوني، وهو أمر
منطقي ومفهوم إذ لو تم الاستيلاء على الأرض مع بقاء سكانها عليها لأصبح من
المستحيل تأسيس الدولة اليهودية، ولتم تأسيس دولة تمثل سكانها بغض النظر عن
انتمائهم الديني أو الإثني وتكتسب هويتها الإثنية الأساسية من الانتماء الإثني
لأغلبية سكانها. ومثل هذه الدولة الأخيرة لا تُعَدُّ تحقيقاً للحلم الصهيوني الذي
يطمح إلى تأسيس الدولة/الجيتو.
ومن هنا، كان
اختفاء العرب ضرورياً. والعنصرية الصهيونية ليست مسألة عَرَضية، ولا قضية انحلال
خلقي أو طغيان فرد أو مجموعة من الأفراد. وإنما هي خاصية بنيوية لأنه (لكي يتحقق
الحلم الصهيوني) لابد أن يختفي السكان الأصليون، ولو لم يختفوا لما تحقق الحلم.
ولهذا، نجد أن الصهاينة (كل الصهاينة، بغض النظر عن انتمائهم الديني أو السياسي،
وبغض النظر عن القيم الأخلاقية التي يؤمنون بها) يسهمون في البنية العنصرية
وينمونها. فالمستوطن اليهودي الذي يصل إلى فلسطين سوف يسهم - حتى لو كان حاملاً
مشعل الحرية والإخاء والمساواة وملوِّحاً بأكثر الألوية الثورية حُمرة - في اقتلاع
الفلسطينيين من أرضهم وفي تشويه علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والحضارية، ويعمل
(شاء أم أبى) على تقوية مجتمع استيطاني مبني على الاغتصاب. وهذه مشكلة أخلاقية
حقيقية تواجه الإسرائيليين الذين يرفضون الصهيونية، والمولودون على أرض فلسطين
المحتلة. ويؤكد كل هذا التوجه إسرائيل زانجويل إذ يقول: "إن أردنا أن نعطي
بلداً لشعب بلا أرض، فمن الحماقة أن نسمح بأن يصبح في هذا الوطن شعب".
بن غوريون وتبني الاستعمار الإحلالي في الجزائر
وقد كان بن
جوريون مدركاً تماماً للفرق بين الاستعمار الاستيطاني والاستعمار الإحلالي. وفي
إطار إدراكه هذا، اقترح على ديجول أن يتبنَّى الشكل الإحلالي من الاستعمار
الاستيطاني حلاًّ للمشكلة الجزائرية، فتقوم فرنسا بإخلاء المنطقة الساحلية من
الجزائر من سكانها العرب، ليُوطَّن فيها الأوربيون وحدهم أو يقيموا فيها
المستوطنات، ثم تُعلَن دولة مستقلة لسكانها حق تقرير المصير (وكان رد ديجول يتسم
بالذكاء التاريخي إذ قال: "أتريدني أن أخلق إسرائيل أخرى؟").
قراءة كاوتسكي المبكرة لطبيعة الاستيطان الصهيوني ونتائجه
وقد أشار كارل
كاوتسكي إشارة عابرة لتلك السمة المميِّزة والأساسية للاستعمار الاستيطاني
الصهيوني في كلاسيكيته هل يُشكِّل اليهود جنساً؟ كما تَكهَّن بأن يعاني المستوطنون
اليهود الكثير خلال النضال العربي من أجل الاستقلال، "ذلك لأن الاستعمار
اليهودي لفلسطين يدل على أنهم ينوون البقاء فيها، وعلى أنهم لا ينوون عدم استغلال
السكان الأصليين فحسب بل طردهم نهائياً".
وثمة عناصر خاصة
بالاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني تضمن استمرار آليات الاحتكاك والتوتر
بينه وبين السكان الأصليين وسكان المنطقة ككل. فمعظم التجارب الإحلالية الأخرى حلت
مشكلتها السكانية (أي وجود سكان أصليين) بعدة طرق: التهجير أو الإبادة أو التزاوج
مع عناصر السكان الأصليين، أو بمركب من هذه العناصر. ولكن التجربة الاستيطانية
الصهيونية تختلف عن معظم التجارب الإحلالية الأخرى فيما يلي:
1- أنها بدأت في
أواخر القرن التاسع عشر، أي في تاريخ متأخر نوعاً عن التجارب الأخرى.
2- أنها لم تتم
في المناطق النائية عن العالم القديم (الأمريكتين وأستراليا ونيوزيلندا) وإنما تمت
في وسط المشرق العربي، في منطقة تضم كثافة بشرية لها امتداد تاريخي طويل وتقاليد
حضارية راسخة وامتداد بشري وحضاري يقع خارج حدود فلسطين.
اقرأ أيضاً:
المشروع الصهيوني.. رؤية تعريفية
الصهيونية المشروع الغربي بامتياز (1)
__________________
المصدر: «موسوعة
اليهود واليهودية والصهيونية».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً