إخلاص النية أخطر قضية (2/1)

حديثي حول أخطر قضية، حول قضية إما أن تأتي بها يوم القيامة فتجد شق التمرة كجبل أحد قد حجز بين وجهك والنار، وأما أن تأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة وذكر ثم لا تجد ذرة من حسنة في ميزانك.

إلى المنحرفين في نياتهم

قال تعالى في كتابه الكريم موجهاً كلامه إلى الذين انحرفوا في نياتهم وأشركوا بالله.

قال سبحانه: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (البينة: 5)، اليهود والنصارى وأصحاب جميع الأديان التي أنزلها الله وحرفت وانحرفت قلوبهم. وكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أُصيب بهذا الداء والوباء الخفي مرض الرياء والشرك الأصغر الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم فيطمس النية ويقتل الإخلاص ويُحبط العمل فيأتي الإنسان فلا يجد له عند الله شيئاً.

قاعدة الأعمال بالنيات

وجاء الحبيب صلى الله عليه وسلم يُقعّد لهذه القضية الخطيرة بحديث عظيم تُفتح وتصدر به كتب الفقه الذي يرويه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (متفق على صحته، رواه إمام المحدثين البخاري ومسلم في كتابهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة).

قال الشافعي: هذا الحديث ثلث العلم ويدخل في سبعين باباً من الفقه.

ويقول النبي في هذه القضية: "إن بالمدينة أقواماً ما قطعنا وادياً ولا وطئنا موطأ يغيظ الكفار ولا أنفقنا نفقة ولا أصابتنا مخمصة إلا شاركونا في ذلك وهم بالمدينة حبسهم العذر"

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "لقد خلفتم بالمدينة رجالاً ما قطعتم وادياً ولا سلكتم طريقاً إلا شركوكم في الأجر، حبسهم المرض" أخرجه مسلم، والبخاري من حديث أنس)، هؤلاء القوم شاركوا بحُسن النية.

ويقول صلى الله عليه وسلم في هذه القضية، عن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قلت: هذا القاتل يا رسول الله، فما بال المقتول، قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه" (متفق عليه).

عقد النية على قتل أخيه المسلم ومع أنه هو المقتول يُلقى معه في النار بنيته من أكبر القضايا والناس عنها غافلون.

إنما الأعمال بالنيات، هذا هو القول الفصل، والحد الفاصل بين الحق والباطل، فإن رجحان كفة الإيمان أو كفة الشيطان لا بالصور ولا بالطول ولا بالعرض ولا بالجاه ولا بالحسب ولا بالنسب، وإنما بقدر النية، فالحمد لله الذي أنطق محمداً صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث العظيم.

وانطلاقاً من هذا الحديث سنضع بعض اللمسات المهمة حول معانيه:

اللمسة الأولى: من قوله سبحانه: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ) (الزمر: 11).

فالله تعالى في كتابه يحثنا على هذا الإخلاص ويدفعنا إليه، وهو شعار كل مصلي عندما يفتتح صلاته: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام).

هكذا يقولها كل مسلم وهو يستقبل الله في صلاته.

اللمسة الثانية: من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (رواه مسلم).

ولو كان النظر إلى الصور والأجسام لخرجنا من المسجد بخفي حُنين لأننا مساكين على باب الله واقفين، وكفى بالله منعماً ومعيناً، فمن كان الله معه فهو بالله كثير، ومن كان الله دونه فهو دن الله قليل، ولو وقف معه أهل الأرض والجن والإنس.

اللمسة الثالثة: من قول النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه النية: "إنما الدنيا لأربعة نفر: "رجل أتاه الله مالاً وعلماً فهو يعلم أن لله في حق وللرحم فيه حق، وذلك في أعلى المنازل، ورجل أتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فيقول: يا ليت لي مال فلان فأعمل بعمله فهو نيته فهما في الأجر سواء".

تأتي يوم القيامة بهذه النية المعقودة، وقد أعطاك الله بعدد أموال أهل الأرض حسنات، ودعوا أصحاب الأرصدة أصحاب الكنوز، دعوهم يجمعون لعذابهم يوم القيامة.

"ورجل أتاه الله مالاً ولم يُعطه علماً فهو لا يرى أن ليس لله فيه حقاً ولا للرحم فيه حقاً وهذا في أسوأ المنازل"، هذا الرجل الرابع التعيس المنكوس لم يؤته الله مالاً ولا علماً فيقول: يا ليت لي مال فلان فأعمل بعمله فهو بنيته فهما في الوزر سواء، تمنى أن يكون له مال الفاسق لكي يفسق به ويفعل المعاصي، يأتي يوم القيامة مع فقر الدنيا فقر الآخرة وعذابها".

اللمسة الرابعة: من حديث ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثوراً، قال ثوبان يا رسول الله: صفهم لنا حلهم لنا لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أما هم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها" (رواه ابن ماجه، ورواته ثقات).

لهم حسنات كثير كالجبال البيضاء فإذا مدوا أيديهم ليأخذوها لم يجدوا شيئاً وساقتهم الزبانية إلى النار، جعلوا الله يوم أن خلوا بالمعاصي أهون الناظرين لهم.


===============

المصدر: موقع الشيخ أحمد القطان

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة