‏ربيع بن هادي المدخلي.. ‏قراءة لسياق أزمته في المنهج والواقع

‏ربيع بن هادي المدخلي.. ‏قراءة لسياق أزمته في المنهج والواقع

‏في سياق تشكّلات التيارات الحديثة للصحوة، تأتي ظاهرة ربيع المدخلي يرحمه الله بوصفها نموذجًا لموقع خاص داخل خارطة السلفية المعاصرة المتعددة والمتشاطرة، حيث يتقاطع التفسير الحرفي للنصوص مع اعتبارات الولاء السياسي ومقتضيات النزاع المنهجي.

ويُعدّ المدخلي، من خلال خطابه وممارسته، نموذجًا لما يمكن تسميته بـ«المراقب الأمنجي السياسي»، حيث تُستثمر علوم الحديث والعقيدة في بناء شرعية سياسية-دينية تُؤسّس للقمع الفكري وتُدين التعددية الإصلاحية، وتُمارَس تحت لافتة السُّنة بعمليات ضبط أيديولوجي لصالح بعض التوجهات السياسية.

‏أولًا: في السياق التاريخي:

‏تدرّج ربيع يرحمه الله في سلك التعليم حتى نال الأستاذية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بزغ نجمه في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، وفي سياق الخلافات مع بعض الحركات الإسلامية بعد أزمة الخليج، فظهر خطاب المدخلي أداة لتثبيت الأمنجية على نهج كبح الحركية الإصلاحية!

وتميّز خطابه باختزال المنهج السلفي في ثلاثية صارمة: طاعة ولي الأمر، وإنكار التنظيم، وتجريح المخالف باسم العقيدة، وللأمانة التاريخية هذا النهج من الممكن استخدامه بثوب سلفي، ومن الممكن استخدامه بأثواب أخرى كما حصل في سياقات أخرى كالتصوف، والحداثة، وحتى الحركية، فلا يعني استخدامه بأن يعمم على كل أفراده.

ثانيًا: البنية الداخلية لخطابه:

‏1- التناقضات من المدح إلى القدح:

‏يُلاحَظ في تجربة المدخلي تحوّل دلالي ونفسي في قراءة التيارات الإسلامية؛ فقد صرّح مرارًا بإتقانه لكتب سيد قطب يرحمه الله منذ شبابه (فترة الستينيات)، واستشهد في مؤلفه «منهج الأنبياء» الطبعة الأولى (1986م) بكلمات عمر التلمساني، وأبي الأعلى المودودي، وكما قدّمه الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق بإعجاب.

غير أن هذا البناء الإيجابي سرعان ما انقلب بعد سنوات (بسيطة فقط!) بعد أزمة الخليج في عام (1991م) إلى خطاب تجريحي عنيف، تُوّج بكتاب في عام 1993م «أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب»، الذي سعى المدخلي إلى تقديمه من الشيخ بكر أبو زيد، لكن الأخير رفض، محذرًا من طابعه الاستفزازي، ونقده غير العلمي، فقام المدخلي بنقد الشيخ أبو زيد في كتاب جديد وهو الذي كان يريده سابقاً أن يقدم له ويزكيه!

‏هذا التغيّر لا يمكن تفسيره بمعيار علمي محض، بل يبدو نتيجة لتحولات سياسية أعادت تشكيل العلاقة بين الأصوات الدينية والتوجه السياسي، حيث كان الواقع بحاجة إلى صوت ديني يُجرّم الإسلام الحركي ورموزه، ويوظف المرويات لخدمة الأجندة.

‏2- إنتاج التابع.. محمود الحداد كمثال وامتحان للمنهج:

‏يُمثّل محمود الحداد أبرز نتائج المدرسة المدخلية في تمثلها المتشدد للمنهج، حيث طبّق أصول شيخه بصرامة تجاوزت الخط التقليدي، فهاجم شخصيات من التراث كالنووي، وابن حجر، والقرطبي.. وغيرهم، واتهمهم بالانحراف العقدي، هذه السلوكيات التي تجاوزت الحد، وضعت المدخلي في مأزق أمام أصوله؛ إذ خرج من تحت عباءته من يطبّق منهجه بحدة أكبر، ودائرة أشمل تجاوزت التيارات الحركية ورموزها، دون العذر للسابقين الذين لهم تأويلات وآراء غير سلفية، في مشهد يعكس مأساة المنظومة المدخلية حين تُنتج نسخًا أكثر تطرفًا من نفسها.

‏والمفارقة الأشد أن المدخلي، الذي لم يعذر سيد قطب وغيره بخروج غلاة من مدرستهم لاحقاً، ولكن أعذر نفسه من تبعات الحداد وأمثاله، وادّعى أنهم أساؤوا الفهم أو شطّوا عن الطريق، وهو تأويل بعينه قد رفضه حين تعلق الأمر بغيره! فكيف يُجرَّم سيد قطب بخروج من تأولوا كلامه، ويُعذر المدخلي بخروج من طبّقوا قواعده؟! إنها إشكالية المعايير المزدوجة في تحديد الانتماء والانفصال.

‏3- الازدواج في الموقف السياسي.. حفتر ودماج نموذجين:

‏رغم تأصيله المتكرر لمبدأ «عدم الخروج»، فإن المدخلي دعم اللواء خليفة حفتر في ليبيا، الذي تمرّد على حكومة شرعية معترف بها (ولي أمر)، وأضفى عليه غطاءً شرعيًا في مواجهة الإسلاميين، كما دعا إلى الجهاد في دماج باليمن (إخوة المنهج) ضد الحوثيين دون إذن ولي الأمر، وهو ما ناقض به أصوله، خاصة حين أدان «حماس» لعدم خضوعها لسلطة حاكم رسمي، وأدانهم لجهادهم لأنهم جاهدوا وهم قلة مقابل كثرة وأقوى بالعدة! فالتناقض هنا لا يخفى، إذ يتم توظيف شرط الولاية متى شاء، ويُغضّ الطرف عنه متى تغيّر الحليف.

‏ثالثًا: الموقف من الحزبية وتناقضات التنظيم:

‏بنى المدخلي خطابًا نقديًا ضد الجماعات الإسلامية، واعتبر مجرد التنظيم خروجًا على منهج السلف، لكنه في الممارسة، كوّن حوله تيارًا مغلقًا من التلاميذ، عُرف بنمط تنظيمي خاص، بل نُسب إليه «مجلس شورى»، حسب مقال لسالم الطويل، يُنسق الآراء والقرارات بين رموز التيار، دون نفي قاطع منه، كما اصطدم بأقرب تلامذته حين لم يتطابقوا معه تمامًا، كما حصل مع مشهور حسن، وعلي حسن الحلبي، ومحمد المأربي، وسالم الطويل؛ ما يشير إلى تطبيق غير معلن لقواعد «الولاء الحزبي» التي يُنكرها على غيره.

‏رابعًا: استخدام التزكيات وتناقضات الاستشهاد:

‏يعتمد أتباع المدخلي في تسويغ منهجه على تزكيات كبار العلماء، كابن باز، والعثيمين، والألباني، في حين يرفضون تلك التزكيات ذاتها إذا صدرت بحق مخالفيهم كعبدالرحمن عبدالخالق أو بعض دعاة الإخوان، فيُقال حينها: «الشيخ لم يكن يعلم»، أو «تغيرت الأحوال»، ولكنهم لا يطبّقون هذه القاعدة على تزكياتهم لشيخهم، والسلفية أساساً هي عدم التعلق بالرجال، إنها انتقائية في التوثيق، تُحوّل التزكية من قيمة علمية إلى سلاح للعصمة والتقديس، وهكذا تُستعمل كلمات العلماء لا للتثبت، بل كآلية توظيف وانتصار.

‏خامسًا: تفكيك الصحوة لا تقويمها:

‏المدخلي لم يأتِ لتصحيح الصحوة، بل لتفكيكها، فقد زرع بين شبابها روح الشكّ، وروّج صورة الداعية الجاسوس، وفتح باب التبديع والتجريح حتى داخل الصف الواحد، حيث إن أعظم ما قدّمه هذا الفكر للواقع الإسلامي هو التمزق الداخلي، وإشغال التيارات الدعوية ببعضها، تحت رقابة «الولاء العقدي».

‏ولم تقتصر آثار هذا المنهج على بيئته، بل انتشرت عدواه في مختلف الدول الإسلامية، وامتد تأثيره إلى المجتمعات المسلمة في أوروبا وأمريكا، حيث زرع الانقسام بين الجاليات، وفرّق بين الدعاة والمراكز الإسلامية، وأدى إلى تعطيل مشاريع دعوية كثيرة بسبب التخوين والاتهام والفرز المنهجي، لقد أثمرت هذه المدرسة «سلفية قَلِقة»، لا تبني، بل تفتّت، لا تزرع الدعوة، بل تزرع الخصومة.

‏ موت الجسد لا يعني موت السؤال

‏مات ربيع المدخلي، ووقف بين يدي ربه، وعند الله تجتمع الخصوم، لكنه ترك وراءه تيارًا ومقولات ومنهجًا، لا بد من نقدها، لا لأجل شخصه، وإنما حفاظًا على نقاء الدعوة، ومقاصد الإصلاح، واستعادة الاتزان المنهجي.

‏وبين كل هذا مثلاً، لا تزال كتب سيد قطب رحمه الله تُقرأ وتُدرّس، وتطبع بطبعات شرعية وغير ذلك.

‏قال سيد قطب: «كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبّت فيها الروح وكتبت لها الحياة».

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة