إستراتيجية ترمب الجديدة للأمن القومي.. هل تغادر أمريكا الشرق الأوسط؟
في بداية عمل كل
رئيس أمريكي جديد يقوم بنشر وثيقة لإستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة،
لمعرفة توجهات إدارته فيما يخص ما سيفعله من أجل أمن أمريكا والتعامل مع العالم،
ولا تخلو الوثيقة عادة من اعتبار التدخل في المنطقة العربية خاصة الخليج بسبب
النفط والشرق الأوسط عمومًا، أمرًا حيويًا.
لكن الوثيقة
التي أصدرتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الثانية لـ إستراتيجية الأمن القومي الجديدة، في 5 ديسمبر 2025م، وخلافًا للإدارات السابقة، تخلت عن المنطقة العربية
والخليج واعتبرت أنها لم تعد تشكل الثقل الإستراتيجي كما كانت دائمًا، وبررت تقليل
تواجدها في المنطقة عمومًا بأن النفط لم يعد له نفس الأهمية وأمريكا حاليًا باتت
دولة مُصدرة للنفط لا مستوردة كما كان سابقًا.
الخروج من المنطقة
والأغرب أنه رغم
موجات الحروب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، من حروب غزة ولبنان وإيران والتغيير
في سورية ومناطق أخرى، فقد جاءت إستراتيجية إدارة ترمب لتعلن ضمنًا خروجها من
المنطقة وتركيزها (وفق مبدأ مونرو جديد) على الأمريكتين وأوروبا وبصورة ما الصين
وروسيا.
وهو ما يتعارض
مع الواقع، إذ إن إدارة ترمب متورطة وغارقه لأعناقها في المنطقة العربية والشرق
الأوسط، فقد شاركت ولا تزال في حرب غزة ولبنان وقصف إيران، ولا تزال تطرح خطة ترمب
لغزة وخطط في لبنان وسورية، ومع هذا تتحدث في إستراتيجيتها الجديدة للأمن القومي،
عن تحول في أولويات واشنطن، وتقليص الانخراط فيها!
وذلك مقابل
إعادة تركيز الثقل العسكري والسياسي في نصف الكرة الغربي (الأمريكتين) وتعزيز
الهيمنة الاقتصادية، ضمن مبدأ مونرو الجديد.
تورط أمريكي
لذا، هناك شكوك
كبيرة لدى الخبراء والمحللين الأجانب أن تُنفذ هذه الإستراتيجية بالفعل، خاصة في
ظل التورط الأمريكي في دعم «إسرائيل» وخطط غزة وسورية ولبنان والتصدي لإيران.
يشككون في قدرة
ترمب ونيته على تنفيذ هذا الانسحاب الموعود من الشرق الأوسط، مشيرين إلى أن 4
رؤساء أمريكيين سابقين بينهم ترمب نفسه في ولايته الأولى، وعدوا بتقليل التورط في
الشرق الأوسط، لكن سياساتهم انتهت إلى الاستمرارية ومزيد من التورط لا الانسحاب من
المنطقة.
وفي مقابل تقليص
دورها في الشرق الأوسط، تمنح هذه الإستراتيجية الأولوية للأمريكتين، وتتبنى رؤية
تعيد إحياء «مبدأ مونرو» بصيغة أكثر تدخلاً في شؤون الدول اللاتينية وأوروبا، من
خلال تعزيز الانتشار العسكري وفتح الطريق أمام عمليات برية في فنزويلا وغيرها،
والتدخل في انتخابات أوروبا ودعم زعماء يمينيين شعبويين علناً؛ ما يجعل الحديث عن الانكفاء
الداخلي الأمريكي والانسحاب من الشرق الأوسط وبصورة ما العالم، أمرًا غير حقيقي
ولا يعبر عن الواقع.
5 مصالح خارجية
فالوثيقة حددت 5
مصالح خارجية أساسية وحيوية، أولها نصف الكرة الغربي، وأوضحت بشكل صريح أن واشنطن
ستقوم الآن بفرض وتطبيق ملحق ترمب لـ«مبدأ مونرو»، ولم تنس تأكيد أن دعم الحلفاء
بحماية حرية وأمن أوروبا، مع التشديد على استعادة الثقة الحضارية والهوية الغربية.
ونصت على أن التفوق
الأمريكي في نصف الكرة الغربي شرط لأمننا وازدهارنا، وأنه يجب أن تكون شروط
تحالفاتنا وتقديم أي نوع من المساعدات مشروطة بتقليص النفوذ الخارجي المُعادي، مع
إعادة تعريف للتهديدات والمصالح الإستراتيجية.
ماذا تقول عن الشرق الأوسط؟
تقول الوثيقة:
إن الشرق الأوسط لم يعد يسيطر على السياسة الخارجية الأمريكية في التخطيط طويل
الأمد أو التنفيذ اليومي، لأنه لم يعد مصدرًا للأزمات المتتالية.
وتزعم أن الشرق
الأوسط منطقة استقرار وشراكة لا ساحة صراع واضطراب عالمي بفعل إضعاف إيران، ووقف
إطلاق النار في غزة وتراجع داعمي «حماس»، وفرص استقرار سورية عبر تعاون إقليمي.
وتؤكد الوثيقة
أن الولايات المتحدة لن تعود للانغماس العسكري، وأن المنطقة يجب أن تُدار عبر تقاسم
الأعباء مع الحلفاء، مع التركيز على حماية الملاحة والطاقة ومنع الإرهاب.
وتقول وثيقة إستراتيجية
الأمن القومي للولايات المتحدة: إن حقبة اعتبار منطقة الشرق الأوسط مركز الثقل
الأمريكي قد انتهت، وواشنطن ستقلل اهتمامها بها بحجة إن أخطارها قد قلصت، رغم أنها
لا تزال ساحة نزاعات معقدة، وفقاً لصحيفة «ذا هيل»، في 5 ديسمبر 2025م.
تراجع النزاعات
والأغرب أن
وثيقة ترمب تزعم أن سبب انسحابها من الشرق الأوسط هو أن الصراع قد حُسم لهيمنة «إسرائيل»
بعد عدوانها على غزة ولبنان وإيران وغيرها، بالتالي لم يعد هناك تهديد حقيقي، ولم
يتبق سوى صراع معقد ومحدود «إسرائيلي»-فلسطيني.
وبحجة أن
النزاعات في الشرق الأوسط تراجعت لأنه تم إضعاف إيران بعد القصف الأمريكي
لبرنامجها النووي، ونجحت خطة ترمب في وقف الحرب في غزة ولبنان وإضعاف «حماس»
وداعميها، وهي أمور يشكك فيها الخبراء والمحللون.
أيضاً نصت
الجزئية المتعلقة بالشرق الأوسط في إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، على
بطلان مسألتي استمرار الشرق الأوسط هو المزود الأهم للطاقة في العالم، بعدما تنوعت
مصادر الطاقة وأصبحت أمريكا مُصدراً للنفط.
واجهة للاستثمار الدولي
ولهذا، تحلم
وثيقة أمن ترمب، بعد إضعاف السبب التاريخي للتركيز الأمريكي على الشرق الأوسط، وهو
النفط، والنزاعات، لتحويل المنطقة واجهة للاستثمار الدولي، وصناعات الطاقة
النووية، والذكاء الاصطناعي، وغيرها.
لكن ما تقوله
هذه الإستراتيجية نظريًا يختلف عن الواقع العملي من تورط أمريكا فعليًا في الشرق
الأوسط فإدارة ترمب متورطة في غزة ولبنان وسورية وفي أفريقيا، ومع هذا تتحدث عن
انسحابها من المنطقة.
لذا، يرجح
مراقبون أن واشنطن تحت إدارة ترمب لن تنسحب من الشرق الأوسط، بل ستُقلل من
اعتمادها عليه كعمود فقري لدورها العالمي؛ أي ستتجه إلى نوع من التحول في طبيعة
الوجود؛ من الاحتلال والتدخل العسكري، إلى شراكات مرنة اقتصادية، دبلوماسية
وتجارية، مع الإبقاء على مصالحها الحيوية بالمنطقة كالطاقة والملاحة.
تعارض مع الواقع
ويرى الخبير في
الشرق الأوسط وأفريقيا بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية ستيفن كوك، في تحليل
نشره المجلس، يوم 6 ديسمبر 2025م، لآراء عدة خبراء، حللوا فيه ما أسموه تحريف ترمب
لإستراتيجية الأمن القومي، أن قول الوثيقة: إن المنطقة لم تعد محورًا للسياسة
الأمريكية، يتعارض مع الواقع، حيث قال: يتعارض نهج إستراتيجية الأمن القومي وميل
الرئيس إلى تقليص دور الولايات المتحدة في المنطقة مع نهج البيت الأبيض منذ عودة
ترمب إلى منصبه.
وأضاف أن الجيش
الأمريكي لديه حضور قوي في جنوب وسط «إسرائيل»، حيث يشرف على خطة ترمب للسلام في
قطاع غزة، كما يشارك البيت الأبيض بشكل كبير في نزع سلاح «حزب الله» وفي سورية،
فكيف يقال في وثيقة أمن ترمب القومي: إن أمريكا ستنسحب من الشرق الأوسط؟!