إصدار يقدم إستراتيجية شاملة لمكافحة الفساد بالكويت
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} (الروم: 41)، بهذه الآية الكريمة استهل عضو مجلس الأمة الكويتي السابق د. ناصر الصانع تقديمه لكتاب «واقع الفساد في دولة الكويت وإستراتيجية مكافحته.. رؤية تأصيلية ووطنية»، موضحاً أن الفساد نتاج أعمال الإنسان إذا لم يحسن صيانة الأمانة.
صدرت الطبعة الأولى من الكتاب في عام 2020م، الذي أعده فريق من الباحثين في منظمة «برلمانيون كويتيون ضد الفساد»، وقدموا فيه رؤيتهم الوطنية فيما يخص واقع الفساد وآليات معالجته في الكويت؛ حيث استندوا إلى تجاربهم في القطاعين الخاص والعام على المستويين المحلي والعالمي، وتطرقوا فيه إلى أساس المشكلة.
من جانبه، وصف عضو مجلس الأمة الكويتي السابق د. عبدالله النيباري يرحمه الله، الذي شارك في تقديم الكتاب، الفساد بأنه من أخطر المظاهر السلبية التي تواجه المجتمعات، ومن أكبر مهددات السلم الاجتماعي والمعوق الرئيس لحركة التنمية، وأنه يصيب مفاصل حيوية ومؤثرة في الدولة، مشيراً إلى أن مظاهره لا تتوقف عند أشكال واضحة ومباشرة منه مثل الرشوة والاختلاس، بل تمتد لتشمل مخالفة القواعد المالية والإدارية للدولة والابتزاز والمحسوبية وسوء الإدارة وانتهاك مبدأ النزاهة.
يتكون الكتاب من 8 فصول وخاتمة، تتناول موضوع الفساد ومكافحته، وتوثيق عدد من ملفاته في الحياة الكويتية المعاصرة، وعرض منهجيته وتبيان مرجعية مكافحته في التراث الإسلامي، وتحليل الفساد تاريخياً، وتطور حوادث الفساد في الكويت وعلاماته وأسبابه، مبيناً مساوئه وشرحه لمفهوم أوسع من الفساد وهو مفهوم الحكم الرشيد ودوره في الوقاية من الفساد، مختتماً بإستراتيجية شاملة لمكافحة الفساد.
تعريف الفساد
عرَّف الكتاب الفساد بأنه فعل إرادي (أو عدم الفعل) المبني أو المتأثر باعتبارات، أو هو سلوك غير ملائم، أو استخدام الوظيفة العامة أو المنصب لأغراض أو منافع شخصية.
كما ذكر تعاريف عدة للفساد، منها ما هو مرتبط بالبيروقراطية مثل أنه «استخدام الوظيفة العامة لتحقيق مكاسب خاصة»، ومن منظور البنك الدولي أنه «إساءة استخدام السلطة العامة لمصلحة خاصة، حيث يؤدي إلى التوجيه غير المناسب للموارد المالية، أو يزيد من الكلفة المالية لأي مساعدات مالية في مجال التنمية»، أما مؤسسة الشفافية الدولية فقد عرفت الفساد بأنه «إساءة السلطة الموكلة لتحقيق مكاسب خاصة».
وتطرق الفصل الأول إلى أهمية دراسة ظاهرة الفساد في دولة الكويت كنموذج للدول الإسلامية الأخرى، تنبع من اعتباره أكبر المعوقات لتنمية مجتمعاتنا الحديثة، وكذلك من دوره السلبي للمساهمة في تقويض النظام السياسي والاقتصادي لدولنا وزيادة عدم الرضا بين أفراد المجتمع وخاصة الشباب.
وبيَّن أن دراسة ظاهرة الفساد تنبع من الحاجة إلى ترسيخ قيم العدالة والإنصاف في المجتمع، وضمان تكافؤ الفرص لجميع المواطنين في الدول الإسلامية وتعزيز قيم التنافسية.
وأشار إلى أن الاهتمام بالفساد قد تنامى مع بروز القصور في أداء الخدمات بدولة الكويت، أو نتيجة لبعض الادعاءات، منها الاستيلاء على الأموال العامة والاختلاسات، مبيناً أن تنامي الفساد يدل على عدم بلورة تصور مؤسسي ومجتمعي لمكافحته.
وذكر أن أهمية دراسة الفساد من منظور إسلامي ينبع من أن القيم الأخلاقية في الإسلام توفر إطاراً مناسباً وشاملاً لمعالجته، نابعة من قيم ذاتية للمجتمع، حيث انصبت معظم جهود مكافحة الفساد في الفترات السابقة على الآليات القانونية والتشريعية، ولم تركز بما فيه الكفاية على بناء القيم الشخصية الطاردة للفساد والمانعة له، من خلال التركيز على غرس القيم الإسلامية والعادات المحمودة.
الفساد في ميزان الإسلام
وطرح الفصل الثاني بيان الفساد في ميزان الإسلام؛ حيث نهى عن أنواع عديدة من الفساد، كالفساد الاعتقادي والسياسي والاقتصادي والأخلاقي والاجتماعي والأمني والبيئي، وأوضح الإسلام علامات عامة للفساد، منها قطع الأرحام وعدم إعطاء الناس حقوقهم ونقض العهود والخروج على الأمة وجماعة المسلمين وقتل المسلمين وعدم إقامة الحدود والقصاص.
كما تناول نظرة الإسلام إلى طريقة محاربة الفساد وأساليبه في ذلك، ومنها: صيانة المال العام وحرمته، وصرف المال العام في مصارفه الشرعية، ومنع الغش في كافة المعاملات، والتشديد في المحاسبة والمراقبة، وحسن اختيار الولاة والمسؤولين، والاهتمام بآلية تصحيح الفساد كالحسبة، والتركيز على أهمية أخلاق العمل، وأهمها الأمانة والشفافية ووضوح المعاملات ومنع الاحتكار.
أما الفصل الثالث، فتناول التحليل التاريخي للفساد في العصور الإسلامية السابقة، وذكر أهم مكوناته، ومنها الرشوة والمغالاة في فرض الضرائب، بما فيها التعسف في تحصيل الضرائب، خاصة من خلال توكيل الولاة أو قادة الجيش وأخذ أموال الناس بالباطل، وسوء التدبير المالي والإداري، وعدم استخدام الموارد المالية بصورة فعالة، والإسراف في الصرف من الأموال العامة، والغش بأنواعه، ومزاحمة الحكام للتجار.
وركز الفصل الرابع على تحليل تطور الفساد في الكويت وأهم اتجاهاته، مع ذكر أهم العلامات الدالة على وجود الفساد فيها، ومرور الكويت بمراحل عديدة من الفساد والتجارب في مجال مكافحة الفساد.
وأوضح أن الفساد في البيروقراطية بداية كان باستخدام المحسوبية والواسطة، وانتقل بعد ذلك إلى الرشوة، كما تطرق إلى محطات الفساد التي تشمل العقود التي تلت الغزو العراقي وخاصة في المجال العسكري، واستخدام المنافع والمكافآت الاقتصادية في السيطرة على النخب السياسية أو جماعات المجتمع المدني، والتأثير على نظام الانتخابات ونتائجها، والإيداعات المليونية، والاختلاسات في شركة ناقلات النفط، وفي الاستثمارات الخارجية، وفي المؤسسات الحكومية المستقلة، وتناول الفساد في القطاعات الأخرى مثل القطاع الخاص.
علامات الفساد وأسبابه
وتناول الفصل الخامس بالتحليل بعض علامات وجود الفساد وأسبابه، مثل سيطرة النخب الحاكمة، وغياب الشفافية وحرية المعلومات، وتغييب مؤسسات المجتمع المدني وتهميش دورها في الرقابة على أداء الحكم وصلاح البيروقراطية، وفقدان السلطة القضائية لاستقلاليتها، وخدمة وسائل الإعلام لتبرير أخطاء النخب الحاكمة، وعدم حسن اختيار نواب مجلس الأمة، ثم تناول الفصل بالتحليل تعدد وجهات نظر الباحثين والدارسين حول أسباب الفساد بحسب الأبعاد المختلفة.
واستعرض أسباب الفساد، مثل: ضعف القيم الاجتماعية وأخلاق العمل، وعدم الفصل بين السلطات وعدم التوازن بينما، ووجود النظام البيروقراطي وطبيعته، وغياب خطط الإصلاح.
وذكر الفصل السادس مساوئ الفساد وآثاره السلبية، وذلك بغرض استثارة الرأي العام وتنبيهه إلى تكلفة الفساد العالمية، كما أكد أن معرفة آثاره تساعد على صياغة إستراتيجية مكافحته.
وتناول بصورة مختصرة آثار الفساد عالمياً، بحسب الدراسات العلمية، كما تم بيان آثار الفساد على المجتمع والبيروقراطية في الكويت، مثل الآثار الاقتصادية والسياسية، وزيادة عدم رضا المواطنين، وتقويض سلطة الدولة وشرعيتها، والتأثير على صحة المواطنين والآثار النفسية وبروز أخلاق العمل السلبية.
وتحدث الفصل السابع عن إجراءات الحكم الصالح ودورها في الوقاية من الفساد، حيث تم التركيز على حالة المؤسسات العامة، كما أوضح أن الحكم الصالح هو ممارسة السلطة السياسية وإدارتها لشعوب المجتمع وموارده، وأكد أن حوكمة المؤسسات ترتكز على عدة أركان، هي: الشفافية، والمسؤولية، والمساءلة، والعدالة.
وأبرز الفصل محاور الحكم الصالح في المؤسسات العامة، وهي عمل مجلس الإدارة ومهامه ومسؤولياته، وعمل الإدارة التنفيذية ومهامها ومسؤولياتها، ومراجعة اللوائح والنظم وتعديلها، وتعزيز الرقابة والتدقيق والمساءلة.
وسائل المكافحة
واقترح الكتاب في فصله الثامن إستراتيجية شاملة لمكافحة الفساد، تتكون من 6 محاور؛ الأول: الوقاية، وتتحقق بتوفر الإرادة السياسية، وتطوير النظام التعليمي، والتركيز على الشفافية في التعاملات، والثاني يركز على مجال الرقابة، مثل حيازة المعلومات والرقابة على المسؤولين، فيما يطرح المحور الثالث تكوين تحالف لمكافحة الفساد مثل التحالف مع القطاع الخاص والتعاون مع المؤسسات الدولية والدول وتبادل المعلومات وتشجيع المبلغين وحمايتهم، والمحور الرابع يتضمن إصدار التشريعات وإنشاء مؤسسات مكافحة الفساد، ويشمل وجود تشريعات لكشف الذمة المالية وتوفير التشريعات المانعة والعقوبات الرادعة، أما الخامس فهو تطوير البيروقراطية، مثل تقنين السلطة التقديرية وتطوير أداء القطاع الحكومي وإجراءاته وحسن اختيار كبار المسؤولين، وفي المحور السادس والأخير نبه إلى تجفيف منابع الفساد من خلال إصلاح النظام السياسي وتطويره، وتقليل الفرص المتاحة لممارسة الفساد من خلال استخدام التكنولوجيا.
وأوضح الكتاب أن الفساد في العالم لم يسلم منه نظام سياسي محدّد، فهو موجود في النظام الديمقراطي، والعسكري، والملكي، والجمهوري، كما أن الفساد ينخر هدماً أيضاً في النظم الاقتصادية، سواء كانت رأسمالية، أم ذات تخطيط مركزي، أو اشتراكية، أو غيرها من النظم الاقتصادية، وأشار إلى أن الفساد يتغلغل في المجتمعات أياً كانت خلفيتها الدينية، سواء إسلامية أو غيرها من الديانات، وإن تباينت في مستوى التغلغل.
ولفت إلى أن انتشار الفساد مع تنوع النظم الاقتصادية، أو السياسية، أو الثقافات، أو المجتمعات، أو الديانات؛ يبرز حقيقة وجوده في هذه المجتمعات ما دامت القيم الإنسانية السلبية سائدة، لكنه يختلف في أشكاله، ومدى تغلغله وآثاره، بحسب قوة التعاليم الدينية، ورشد عادات المجتمع، والظروف السياسية والاقتصادية لكل مجتمع، ودرجة وعيه، وبالتالي فهو مشكلة إنسانية قبل أن يكون تحدياً مرتبطاً بالمجتمع المسلم.
وأولى الكتاب أهمية إزاء تحليل تطور الفساد في دولة الكويت، وتتبع أهم محطاته واتجاهاته، نظراً لأنه انتشر بصورة كبيرة في العديد من الدول الريعية بما فيها الكويت، بسبب تسارع التغيير في أنماط الحياة، مع ازدياد قوة البيروقراطية في المجتمع، واستحواذها على جميع الخدمات والمرافق العامة.
وأشار إلى أن أكثر أنواع الفساد صعوبة في الدول الريعية مثل الكويت هو الفساد السياسي، وأياً كان نوع الفساد في هذه الدول الريعية فإنه يؤدي إلى عرقلة جهود التنمية فيها، وإعاقة تطور المجتمع، مما يتطلب تداعياً قوياً في هذا المجتمع لمكافحته.
وبين أن من الأمور التي ساهمت في فضح ومحاربة الفساد التغيرات السياسية، وتدفق الثروة، وبروز اتجاهات سياسية غير تقليدية، وصغر أعمار أفراد المجتمع، وبروز فئة الشباب الذين لديهم نقص ملحوظ في استعدادهم لتقبل ممارسات الفساد وأعماله، خشية على مستقبلهم، وتنامي وسائل التواصل الاجتماعي وازدياد مجالات الفضاء الإعلامي وانفتاحه، إضافة إلى تنامي الاهتمام الدولي بمكافحة الفساد، وتأثر الدولة بالتغييرات الدولية وارتباطها بذلك، وسن تشريعات محلية لمحاربته.
وتطرق الكتاب إلى تقرير منظمة الشفافية العالمية الذي أظهر تراجع مرتبة الكويت في «مؤشر مدركات الفساد» من المرتبة 35 في عام 2003 إلى المرتبة 85 في عام 2017م، وهذا يبرز الانطباع العام أن الفساد في الكويت ازداد انتشاراً، وأن الأدوات التي خصصت لمكافحته لم تكن كافية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً