عندما ضرب المعلم الأمير تأديبا ... حكاية اليزيدي مع المأمون
عن اليزيديِّ قال: كنتُ أؤدِّبُ المأمونَ، فأتيتُه يومًا، فوجدتُه داخلَ المنزل، فوجَّهتُ إليه بعضَ خدمِه يُعلِمُه بمكاني، فأبطأ عليَّ، ثم وجَّهتُ إليه آخرَ، فأبطأ وتأخَّر. فلمَّا خرج، أمرتُ بحملِه، فضربتُه سبعَ دُرَرٍ.
قال: فإنَّه لَيَدْلُكُ عينيه من البكاءِ، إذ قيل: هذا جعفرُ بنُ يحيى قد أقبل. فأخذ منديلًا، فمسح عينيه من البكاءِ، وجمع ثيابَه، وقام إلى فراشِه، فقعد عليه متربِّعًا، ثم قال: لِيَدْخُلْ.
فدخل، فقمتُ من المجلس، وخفتُ أن يشكوني إليه، فألقى منه ما أكره.
قال: فأقبل عليه بوجهِه وحديثِه، حتى أضحكَه وضحكَ إليه. فلمَّا همَّ بالحركة، دعا بدابَّته، وأمر غلمانَه، فسَعَوا بين يديه، ثم سأل عنِّي، فجئتُ.
فقال: خُذْ عليَّ ما بقي من جُزئي.
فقلتُ: أيُّها الأميرُ، أطال اللهُ بقاءَك، لقد خفتُ أن تشكوني إلى جعفرَ بنِ يحيى، ولو فعلتَ ذلك لتنكَّر لي.
فقال: أتَراني، يا أبا محمد، كنتُ أُطلِعُ الرشيدَ على هذه، فكيف بجعفرِ بنِ يحيى حتى أُطلِعَه؟ إنِّي لأحتاجُ إلى الأدب، يغفرُ اللهُ لك ما وقع في ظنِّك، وما وجبَ به قلبُك. خُذْ في أمرِك؛ فقد خطر ببالِك ما لا تراه أبدًا، ولو عدتَ في كلِّ يومٍ مائةَ مرَّة.
بيان وفوائد:
المقصود باليزيدي هو يحيى بن المبارك اليزيدي (ت 202هـ/817م تقريبًا). والدُّرَر: جمع دُرَّة، وهي سوطٌ صغير يُؤدَّب به.
وعبارة «خذ عليَّ ما بقي من جزئي» أي: استمرَّ في تلقيني وتعليمي ما بقي من وردي أو درسي المقرر.
لا تُقاس عظمة الإنسان بما يملكه من سلطان، وإنما بما يملكه من قدرةٍ على تهذيب نفسه. ولعل أجمل ما في هذه القصة أن بطلها الحقيقي ليس المعلم وحده، ولا الأمير وحده، وإنما الفضيلة التي جمعت بينهما.
كان المأمون يومئذٍ ابن الخليفة، تحفُّ به أسباب العز، ويستطيع بكلمةٍ أن ينتصر لنفسه من مؤدِّبه، ولكنه اختار طريقًا آخر؛ طريق الاحترام. بكى من ألم التأديب، ومسح دموعه حين دخل عليه جعفر بن يحيى، ولم يجعل من ألمه وسيلةً للانتقام، ولم يستثمر نفوذ من حوله للانتقام من معلمه. وهذه منزلةٌ رفيعة من منازل النفس؛ إذ ليس كل من يقدر على الشكوى يمتنع عنها، ولا كل من يملك القوة يحسن استخدامها.
وفي المقابل، لم يكن اليزيدي معلِّمًا يستند إلى سلطانٍ يحميه، وإنما كان يؤدي واجبه كما يراه، ثم خاف على نفسه حين حضر الوزير. لقد كشف خوفُه عن طبيعته البشرية؛ فالمربِّي، مهما علا قدره، يبقى إنسانًا تعتريه الهواجس ويقلقه سوء الظن بعواقب الأمور. غير أن هذا الخوف تبدد بكلمات المأمون، فعاد الاطمئنان إلى قلبه، وعرف أن التربية الصادقة لا تضيع عند النفوس الكريمة.
وتعلِّمنا القصة أن التربية لا تؤتي ثمارها إذا هدمت مكانة المربي. فالمأمون أدرك أن هيبة معلمه جزءٌ من نجاحه في التعليم، وأن إسقاط هذه الهيبة أمام أصحاب النفوذ لا يضر بالمعلم وحده، بل يفسد العلاقة التي يقوم عليها التعلم كله؛ لذلك قال ما معناه: إذا كنت لا أشكوك إلى أبي، فكيف أشكوك إلى غيره؟
كما تكشف القصة عن خلقٍ نادر، وهو الفصل بين المشاعر والواجب. فقد كان المأمون متألمًا، ثم لما دخل عليه جعفر استقبله بوجهٍ طلق وحديثٍ حسن، ولم يجعل انفعاله الشخصي يؤثر في حق ضيفه. ثم لما انصرف الوزير، عاد مباشرةً إلى مجلس العلم، وقال لمؤدبه: «خذ عليَّ ما بقي من جزئي». إنها صورة لإنسان يعرف أن المعرفة لا ينبغي أن تتوقف بسبب غضبٍ عابر أو ألمٍ مؤقت.
ومن أبلغ ما في الخبر أن الاعتذار لم يقع باللفظ، وإنما وقع بالفعل. فالمأمون لم يقل لمعلمه: لا تخف، وإنما طمأنه بسلوكه، ثم أزال ما في نفسه بكلماتٍ قليلة صادقة. وكثيرًا ما تكون الأفعال أبلغ من العبارات، وأقدر على تضميد القلوب.
وتشير القصة كذلك إلى أن التربية الحقيقية لا تصنعها الشدة وحدها ولا اللين وحده، وإنما يصنعها اتفاق الطرفين على أن المقصود هو الإصلاح لا الإهانة، والتقويم لا الانتقام. فإذا علم المتعلم أن مؤدبه يريد خيره، وعلم المربي أن كرامة المتعلم مصونة، نشأت بينهما علاقة تُثمر علمًا وأدبًا معًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً