«طوفان الأقصى».. والمراجعات الفكرية المطلوبة

شابان فلسطينيان يرفعان العلم فوق آلية عسكرية تابعة للاحتلال الإسرائيلي وسط الدخان

في حياة الأمم والشعوب محطات فاصلة لا يكون ما بعدها مثل ما قبلها، وتنكشف بعدها حُجب لم تكن تُرى من قبل؛ وذلك لشدة تأثيرات هذه المحطات وحجم تفاعلاتها، وتشابك مساراتها مع مجمل خيوط الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية وغيرها، ولا شك أن محطة فاصلة هذه طبيعتها، تستدعي الفحص والمراجعة.

وفي واقعنا المعاصر، مرّ العرب والمسلمون بمحطتين فاصلتين كان لهما وَقْعٌ شديد على حياتهم، وتشترك هاتان المحطتان في أمر أساس هو أنهما نتجتا عن المواجهة مع الكيان الصهيوني؛ الذي مثّل قاسمًا مشتركًا بين الحدثين الكبيرين.

وقد تمثلت المحطة الأولى في هزيمة 1967م، وأما المحطة الثانية فهي «طوفان الأقصى» الذي قامت به المقاومة الفلسطينية في جرأة نوعية تجاوزت الخطوط، وهجوم مفاجئ شامل باغت العدو.

وإذا كانت المحطة الأولى قد صارت جزءًا من التاريخ، ونتجت عنها تفاعلات كثيرة، وتغيَّر الواقع بعدها لدرجة تقترب من التناقض في بعض المسارات؛ فإن المحطة الثانية ما زالت تفاعلاتها تجري، وتأثيراتها تتصاعد، لكن يهمنا أن نشير إلى «المراجعة» كفكرة وموقف نتجت عن تأثيرات المحطة الأولى، وكفكرة وموقف يُؤمَل أن تَنتج عن الثانية، حتى نكون أمام استفادة حقيقية من هذا الحدث الضخم.

مراجعات 1967.. صدمة الهزيمة وإعادة النظر

لقد كانت هزيمة 1967م أشبه بمطرقة ضخمة هوت على رأسِ نائمٍ، فأصيب من جرائها بالصدمة والذهول، حتى أخذ يتساءل: من أنا؟ وأين كنت؟ ولم حدث ما حدث؟

وقد عبّر مفكرون كثيرون عن الصدمة المروعة التي تركتها تلك الهزيمة في عقولهم وفكرهم ووجدانهم، حتى دفعتهم لطريق طويل من الفحص والمراجعة بشأن اختياراتهم الفكرية وانحيازاتهم السياسية، ومدى واقعية ما تصوروه من خطط وبرامج، وما كانوا يعلّقونه على ذلك من آمال وطموحات.

كان الواقع قبل الهزيمة مليئًا بالحماس المتدفق والتصورات الضخمة عن الذات، ومشتبكًا مع أفكار كثيرة بعضها متناقض؛ حتى إن البعض أخذ يصطنع عداء مع الإسلام متصورًا أن الغرب لاسيما في جانبه اليساري هو الكفيل بإذابة الفوارق الاجتماعية وتحقيق الطفرة الاقتصادية، والانتقال بمجتمعاتنا العربية من حالة إلى أخرى أكثر تقدمًا وتحرّرًا، وذلك بمقابل رؤية غير دقيقة عن العدو وإمكاناته وتحالفاته وأطماعه وخططه التوسعية!

وقد سجّل مفكرون كثيرون ما مثّلته لهم هزيمة 1967م من صدمة كبرى، ومن بداية لمراجعات جادة في الفكر والسياسة؛ مثل زكي نجيب محمود، وطارق البشري، وعادل حسين، وعبدالوهاب المسيري، وجلال أمين، على ما بينهم من تفاوت فيما انتهوا إليه من نتائج، لكنها تشترك في النظر إلى تلك الهزيمة باعتبارها محطة لإعادة النظر في الاختيارات والمناهج، ولفحص أسئلة الذات والآخر، والتصور والمثال.

«طوفان الأقصى».. محطة جديدة للمراجعة

وإذا جئنا إلى المحطة الثانية «طوفان الأقصى»، فلا شك أنه رغم ما يمكن أن يقال عن تعدد زوايا النظر والتقييم لهذا الحدث الضخم، فإن ثمة أمرًا قد لا يختلف عليه أحد، وهو أنه ينبغي أن يكون محطة للمراجعة في كل ما يتصل بمسارات حياتنا؛ سواء على مستوى تصورنا لذاتنا واقعًا ومأمولاً، إمكانيات وتحديات؛ وتصورنا للآخر فكرًا وسياسة، سِلمًا وحربًا.

وفيما يلي نشير إلى مراجعتين جاءتا بتأثير «طوفان الأقصى»، وكانت الأولى ذات طابع سياسي من مفكر كان يومًا من دعاة ما يسمى التطبيع مع الكيان الصهيوني، والثانية ذات طابع فكري من أكاديمي يشتغل بالفلسفة ويشتبك مع الغرب باعتباره منبعًا لحقوق الإنسان وقيم التسامح.

اعتذار عن التطبيع.. مراجعة سياسية بعد «الطوفان»

في جريدة «الأهرام» (19 نوفمبر 2023م) وتحت عنوان «اعتذار»، سجّل المفكر السياسي د. أسامة الغزالي حرب مراجعة مهمة من موقف كان اتخذه حيال الكيان الصهيوني، حين دعا إلى إقامة علاقات طبيعية معه، تماشيًا مع موقف السياسة المصرية التي تغيرت مع الكيان بعد حرب 1973م، ثم جاءت «طوفان الأقصى» لتثبت أن إحسان الظن بهذا الكيان لا محلّ له.

يقول الغزالي حرب: «هذا اعتذار أعلنه -أنا أسامة الغزالي حرب- كاتب هذه الكلمات، عن موقفي الذي اتخذته، كواحد من مثقفي مصر والعالم العربي، إزاء الصراع العربي «الإسرائيلي»، بعد نصف قرن من المعايشة ومئات الدراسات والأبحاث العلمية والمقالات الصحفية، والمقابلات الصحفية، والزيارات الميدانية!

إنني اليوم وقد تابعت -بغضب وسخط وألم- ما حدث ولا يزال يحدث من جرائم وفظائع في غزة يندى لها جبين الإنسانية، تقتل فيها آلاف الأطفال والنساء، وتدمر فيها المنازل والمباني على رؤوس البشر، وتصطف فيها جثث الأبرياء لا تجد من يدفنها.. أقول: إني أعتذر عن حسن ظني بـ«الإسرائيليين»، الذين كشفوا عن روح عنصرية إجرامية بغيضة، أعتذر لشهداء غزة، ولكل طفل وامرأة ورجل فلسطيني، إني أعتذر!».

«طوفان الأقصى».. ورفع الغشاوة عن التصورات الغربية

أما الشهادة الثانية فسجلها الأكاديمي المصري أستاذ الفلسفة د. أحمد سالم على صفحته الشخصية بـ«فيس بوك» (16 أكتوبر 2025م)، تحت عنوان «إلى المولعين بالغرب»، وجاءت لترصد حالة الانكشاف التي أصيب بها الغرب بقيمة وثقافته بعد الانحياز الكلي للسردية الصهيونية.

يقول أحمد سالم: أنتمى بحكم ميولي الفكرية إلى مدرسة الحداثة، ولكني أعي المزايا الإيجابية التي في التراث قدر وعي لمثالبه، أبدأ بهذا لأن هناك في المثقفين العرب، والمتصهينين، من يروا كل إيجابية في الغرب، وكل مثلبة في تراث الذات، ولكني بعد 7 أكتوبر ينبغي إعادة النظر في كل شيء يتعلق بالغرب، عن دعاويهم المزعومة عن حقوق الإنسان، واحترام الآخر والتسامح، فقد بدت هذه القيم زائفة بسبب ما فعلته الأنظمة الغربية في القضية الفلسطينية.

3 مراجعات فكرية بعد «طوفان الأقصى»

إذن، هاتان شهادتان تفتحان الأفق على بعض ما يمكن أن يكون محلاًّ للمراجعات الفكرية بعد «طوفان الأقصى»؛ وإذا كانت الأولى تتصل بالموقف السياسي الذي أريد به إقامة علاقات طبيعية مع كيان شاذ غريب عن منطقتنا العربية والإسلامية، فإن الثانية تتصل بأهمية مراجعة الموقف المعرفي سواء مما يدعيه الغرب لنفسه من قيم ومفاهيم، أو مما يتوجه به إلينا من مذاهب وتيارات وفلسفات، فلقد جاءت «طوفان الأقصى» كاشفة وفاضحة الكثير من الزيف في هذين الموقفين السياسي والمعرفي.

ولا شك أن ثمة مساحات أخرى مطلوبة للمراجعة الفكرية، تندرج قضاياها ضمن 3 مستويات كبرى؛ وهي:

أولاً: مراجعة تصورنا عن العلاقة مع الغرب:

أي ما يتعلق بحقيقة تصورنا عن علاقة الغرب بالعالم الإسلامي، ما كانت عليه وما ينبغي أن تكون، بمصارحة وعدم إخفاء للحقائق.

فهنا تبرز الحاجة إلى مراجعة الصورة التي استقرت في الوعي عن الغرب، وعلاقته بالعالم الإسلامي، بما يكشف ما يحاول البعض إخفاءه أو تجميله من وجوه الاستعمار والاستنزاف، وبما يدفع إلى إعادة تأسيس هذه العلاقة على الندية والتكافؤ، دون ذوبان أو تبعية.

ثانيًا: مراجعة تصورنا عن الذات وموقع الإسلام:

أي حقيقة قدرتنا على النهوض وموقع الإسلام من ذلك، وما جرى من محاولة استبعاد الإسلام أو تهميشه.

فالمراجعة هنا لا تتصل فقط بقدرتنا على النهوض وبإمكاناتنا الكبيرة في ذلك، وإنما تتصل أيضًا بالتصور الذي نحمله عن مقومات هذه القدرة، وموقع الإسلام منها؛ إذ لا يصح التعامل مع الإسلام باعتباره عاملاً من عوامل النهوض يمكن الاستغناء عنه، وإنما هو روح بلادنا وأساس ثقافتها وحضارتها.

ثالثًا: مراجعة تصورنا عن فاعلية الأمة:

أي دور الأمة وشعوبنا شرقًا وغربًا في تحقيق النهوض ومغالبة مشاريع الهيمنة، وجعل الأمة في قلب معادلة التدافع.

فهذه مراجعة تتعلق بفاعلية الأمة وإتاحة الفرصة والمجال أمامها دون حواجز أو عراقيل؛ إذ لا يمكن القفز على دور الشعوب أو الاستخفاف به، ولا بناء مواجهة حقيقية لأخطار الخارج وتحديات الداخل دون استحضار الأمة في معادلة النهوض.

هذه أمثلة لما ينتظرنا من مراجعات فكرية في هذه الحقبة المهمة من حاضرنا، التي دشنت بها «طوفان الأقصى» واقعًا جديدًا ينتظر منا الفهم والفحص والمراجعة؛ حتى لا تتسرب تلك اللحظة المضيئة من بين أيدينا كما تسربت لحظات مضيئة أخرى!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة