نحو النصير وبلاغة التبشير (1)

إعراب العزة بين مقام الرفع وقطعية الاستخلاف

الكلمة في ديننا ليست مجرد رسم، بل هي نبض أمة وهتاف تاريخ، وفي ظل ما تمر به بلاد المسلمين اليوم من تكالب القوى واشتعال ميادين الصراع، نطلق في «سحر البيان» هذه السلسلة؛ لنبحث من خلالها في ثنايا الآية القرآنية والجملة العربية عن مخرج لكل مكروب، وبشرى لكل صابر؛ لنرسم خارطة طريق لغوية وروحية تمتد من مشرق العالم الإسلامي إلى مغربه؛ لتشمل كل قلب مكلوم يرجو من الله نصراً قريباً وأمناً وطمأنينة.

محراب الكلمة.. نَحْوُ الموقف وبيانُ السكينة

النحو العربي في جوهره ليس علماً لضبط أواخر الكلم فحسب، بل هو نحوُ حياة، وإعرابُ وجود، وبيانُ حقٍّ ينصبُّ في قوالب الوحي؛ ليرسم للأمة طريق خلاصها وسكينتها في زمن تلاطمت فيه أمواج الفتن، إننا حين نقف في محراب الكلمة ندرك أن الحرف العربي ليس مجرد رسم على ورق، بل هو نبض أمة، وهتاف تاريخ يرسم راية للفتح بيقين مِداد لا ينضب من العزة، وفي ظل ما تمر به بلاد المسلمين اليوم من تكالب القوى العالمية واشتعال ميادين الصراع بين أقطاب الظلم، كان لزاماً على مداد العلماء أن يكون نوراً بيانياً يبث التبشير في نفوس المرابطين، ويسدد خطى الحائرين الذين أرهقتهم أخبار الحروب ودمار الديار.

إن البلاغة هنا ليست ترفاً عقلياً، بل هي سلاح معنوي يعيد ترتيب البيت الداخلي للإنسان المسلم، ويمنحه القدرة على قراءة الأحداث بعين «نَحْوِ النَّصِيرِ»، إننا نبحث في ثنايا الجملة العربية عن مخرج لكل مكروب، وعن بشرى لكل صابر، مستلهمين ذلك من عبقرية لغتنا التي وسعت كتاب الله لفظا وغاية وما ضاقت عن آيٍ به وعظاتٍ.

لقد صار النحو في هذه الملاحم الدائرة هو الميزانَ الذي يفرق بين الانكسار والانتصار؛ فالمؤمن الذي يعي أن الله هو «الفاعلُ» الحقيقي في هذا الكون، لا يرهبه تعدد المفاعيل من طغاة وبغاة، إن الضمة التي تعلو الفاعل في لغتنا هي رمز لرفعة الشأن وعلو الهمة، والفتحة هي بوابتنا نحو الفتح المبين الذي وعد الله به عباده الصالحين في كل أرض يذكر فيها اسمه -تقدست أسماؤه- إن هذا المقال هو محاولة لرسم خارطة طريق لغوية وروحية، تمتد من مشرق العالم الإسلامي إلى مغربه؛ لتشمل كل مسلم مسه الضَّرَرُ وَالضُّرُّ، وكل قلب مكلوم يرجو من الله نصرا قريبا وأمنا دائما.

فلسفةُ «الرفع» في جملة النصير الإلهي

يقوم نحو النصير على عمدة الرفع، فالرفع في لغة العرب هو الأصل، وهو ركن الجملة المتين الذي لا يستقيم المعنى من دونه، وفي ميزان الحق نجد أن «الحق» هو المبتدأ الدائم الذي لا يقبل السقوط أو النسيان، و«النصر» هو خبره المحتوم الذي يترقبه الوجود مهما تطاول ليل البغي، وتكالبت الظروف القاسية، فالرفع ليس مجرد علامة إعرابية، بل هو دلالة على السيادة والاستعلاء بالإيمان؛ كما قال الشاعر الفارس العالم أبو فراس الحمْدَانِيٌّ ربُّ السيف والقلم:

ونحنُ أناسٌ لا توسُّطَ بيننَا      لنا الصدرُ دونَ العالمينَ أوِ القبرُ

وهذا الصدر هو مقام الرفع الذي ننشده للأمة اليوم.

إن الشعوب المسلمة الصابرة رغم ما تعانيه من قمع وتهجير تظل «مرفوعة» الرأس بانتسابها إلى الحق، بينما يظل الظلم مهما انتفخ ريشه «منصوباً» عليه بالعدل الإلهي الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

إن بلاغة الرفع تقتضي منا أن نؤمن بأن الفاعل في ميدان المنايا هو من تأيَّد بقوة الله عز وجل! فالمؤمن لا يتحرك بحوله وقوته، بل بحول الله وقوته؛ ولذلك نجد أن الفعل في حياة المسلم دائماً ما يتعدى أثره إلى نفع الأمة وصيانة حياضها وذمارها، حيث إن قواعد الملكوت قد أقرت للمظلوم بإعراب العزة، فلا خفض لمن رفعه الله، ولا عز لمن أذله الحق، هذا الرفع الرباني هو الذي يمنح السكينة لقلوب الثكالى واليتامى، ويجعلهم ينظرون إلى ركام البيوت كأنه لبنات في بناء النصر القادم، إننا حين نعرب واقعنا نجد أن كل تضحية يقدمها المسلم في سبيل دينه وأرضه هي «صفة» مشبهة بالثبات، و«نعت» حقيقي للكرامة التي لا تُشترى بالمال، ولا تباع في أسواق النخاسة الدولية.

دلالةُ «وَنُرِيدُ» وبشرى المضارع في ديمومة النصرة

تتجلى أسرار الاستخلاف والتمكين في قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) (القصص: 5)؛ وهنا يقف النحوي النبيه والبلاغي النابه أمام اختيار الفعل «نريد» بصيغة المضارع، إن المضارع في لغتنا يفيد التجدد والاستمرار، وكأن الإرادة الإلهية تتنزل في كل لحظة وفي كل عصر؛ لتنتشل المستضعفين من وهدة الذل وهوة الصغار إلى قمة التمكين وقبة التحصين، إنها إرادة لا تعرف الجمود، ولا ترتبط بحدث تاريخي انقضى، بل هي قانون إلهي سار ما دامت السماوات والأرض، إن التبشير هنا يأتي من كون الفعل نريد يسبق المنَّ؛ وهو ما يعني أن الإرادة الإلهية في نصرة المظلوم سابقة على وقوع النصر ذاته، وهذا في ذاته أعظم طمأنينة يمكن أن يسكن إليها قلبُ المؤمن.

فالنحو يعلمنا أن المضارع يستحضر الصورة، ويجعلها ماثلة أمام العين، وكأننا نرى بأمِّ أعيننا الآن كيف يمنُّ الله على المهجرين والمتضررين في مشارق الأرض ومغاربها بالخلاص والسكينة، إن هذا «التسديد» الرباني هو الذي يحوِّل الضعف البشري إلى قوة لا تقهر، فالمستضعف حين يستند إلى إرادة القوي الجبار يصبح هو الأقوى في ميزان الحقيقة؛ فمن كان الله معه فمن عليه؟

إن هذه الإرادة هي المحركُ لكل آمالنا والمطهر لكل آلامنا، وهي التي تدفعنا نحو العمل والصمود موقنين بأن الذي أراد المنَّ على المستضعفين في عهد موسى، هو نفسه الذي يريد المن على المستضعفين في عهدنا هذا؛ فرحمة الله واسعة، ووعده حقٌّ صادق لا يتخلف أبدا.

نَحْوُ «الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا» وتحويل المفعولية إلى الفاعلية

لقد اعتاد المحللون والساسة أن ينظروا إلى الشعوب المسلمة المقهورة كأنها مفعول بها في لعبة التوازنات الكبرى بين القوى العظمى، لكن القرآن الكريم يقلب هذه المعادلة رأسا على عقب، فحين بُنِىَ الفعلُ لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُه في قوله: اسْتُضْعِفُوا أراد أن يخبرنا بأن صفة الاستضعاف ليست أصيلة في هذه الشعوب، بل هي فعل وقع عليهم من فاعل طاغ وبباطل عارض، إن «نحو النصير» يعيد تعريف المسلم بصفته «فاعلاً» مختاراً، قادراً على تغيير واقعة بيده ولسانه وقلبه، إن الانتقال من مقام الاستضعاف إلى مقام الوراثة هو لبُّ الرحلة النحوية واللجة البلاغية التي نخوضها في هذا المقال.

إن قوله تعالى: (نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص: 5) يشتمل على الفعل نجعل الذي ينصب مفعولين، وهذا التعدي في الفعل يشير إلى سعة التغيير وعمق التحول، فالمفعول الأول «هم» الذي كان مستضعفا، يتحول بفضل الله إلى «أئمة» و«وارثين»، وهي مقامات عليا في القيادة والسيادة والريادة.

إن هذا الانقلاب الإعرابي هو البشرى الحقيقية لكل من فقد بيته أو ماله أو أمنه؛ فالله يَعِدُ بجعل هؤلاء المنسيِّين قادةَ المستقبل وورثة الأرض، إنها بلاغة التحول التي تُبدد ظلمات اليأس، وتزرع في النفوس بذور الأمل المورق بنصر الله وتأييده، وهو تأييد يسد كل ثغرة في جدار الأمة، ويعيد لها هيبتها بين القمم وهيئتها بين الأمم.

بلاغة القسَم في «لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ» وقطعية التبشير

عندما نقرأ قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) (النور: 55)، نجد أننا أمام بناء لغوي صُلب لا يتزعزع؛ فاللام الموطئة للقسم، ونون التوكيد الثقيلة المتصلة بالفعل ليستخلفنهم، تجعل من هذا الوعد قضاء مبرما لا يقبل التأويل أو الشك، إن الله يقسم بعزته وجلاله أنه سيمكّن لهؤلاء الذين آمنوا وصبروا، وهذا التبشير هو الترياق لكل سموم الإحباط التي يبثها الأعداء عبر وسائل إعلامهم وضغوطهم السياسية، إن نْحْوَ التثبيت يقتضي منا أن نثق في هذا القسم الإلهي أكثر من ثقتنا بما تراه أعيننا من واقع مؤلم؛ فما عندنا ينفد وما عند الله باق.

إن هذه النون الثقيلة ليست مجرد حرف زائد، بل هي صوت الرعد الذي يزلزل عروش الطغاة، وهي لمسة الحنان التي تمسح على رؤوس الأيتام، إن الاستخلاف وعد رباني لكل جيل من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهو ليس وقفا على جيل الصحابة فحسب، بل هو ميراث لكل من سار على نهجهم في الإيمان والعمل الصالح، فكل مسلم مسه الضر اليوم هو مشمول بهذا القسم، وكل أرض اغتُصبت هي موعد لهذا الاستخلاف القادم، إن بلاغة التبشير هنا تقطع الطريق على كل مأجور يريد أن يقنعنا بأننا أمة قد انتهى دورها؛ فالحقيقة أن دورنا يبدأ من جديد كلما عدنا إلى ميثاق الحرف وعهد الوفاء لله ولرسوله.

إننا من خلال هذا التطواف في رحاب الحرف والوحي، نخلص إلى أن معركتنا اليوم هي في جوهرها معركة وعي وبيان، تبدأ من إعادة ضبط إعراب نفوسنا قبل واقعنا، إن وقوفنا عند نون التوكيد في وعد الاستخلاف ليس وقوفاً لغوياً جامداً، بل هو استمداد للمدد من ميثاق لا يخلفه الله.

لقد رسمنا في هذا المقال خارطة اليقين في جملة التمكين، لنؤكد أن الاستضعاف ليس قدراً، بل هو ممر نحو السيادة والريادة لمن استمسك بعروة الإيمان وبلاغة الصمود، ويبقى الحرف العربي شاهداً على عزة هذه الأمة، ويبقى الوعد بالتمكين ديناً في عنق التاريخ لا يوفيه إلا من آمن وعمل الصالحات.

 


اقرأ أيضاً:

«حين تبلغ القلوب الحناجر».. إشراقات بلاغية في آيات «الأحزاب»

من أسرار البيان النبوي في «احفظ اللهَ يحفظك»

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة