إعلانات الصدقة.. حين تتاجر بآلام الفقراء!
يأتي رمضان ومعه ينطلق ماراثون الإعلانات،
وتطل علينا عبر شاشات التلفاز والهواتف وجوهٌ شاحبة وأجساد بملابس بالية محملة بأوجاع
السنين، نطالع في ألم بيوتاً متهالكة في كادرات سينمائية مدروسة بعناية شديدة، تصاحبها
موسيقى حزينة تستدر من مشاهديها مشاعر التعاطف، فلا يمتلكون حينها إلا أن يذرفوا دموع
القلب قبل العين أحياناً.
وهنا نجد أنفسنا أمام تساؤل أخلاقي يصفع وجداننا
هل نحن أمام فعل خير بشكل حقيقي، أم أننا نشاهد عملية تسليع للألم؟ أليس تحويل أنين
المحتاجين وصرخات المرضى إلى مادة إعلانية ولو بنوايا تبدو في ظاهرها طيبة يُعد تسليعاً..
وتسليعاً رديئاً؟ أليس عرضهم بتلك الصور المهينة على الشاشة واستنطاق مواجعهم واستنفار
دموعهم وهم يحكون عن مآسيهم وأحوالهم الصعبة تسليعاً؟ نعم هو تسليع!
إنَّ أقصى درجات الانحدار الأخلاقي تتجلى
في تلك اللحظات المؤلمة التي تقرر فيها الكاميرا أن تستنطق عوز المحتاجين والمرضى،
حين يوضع الميكروفون أمام غصة المحتاج ليبدأ والغصة تملأ حلقه في شرح تفاصيل فقره أو
مرضه، وكأننا نُقايض المعونة بإفشاء أسرار البيوت المتألمة.. أليس إجبار المحتاج على
سرد تفاصيل ظروفه القاسية وفتح جراحه وأوجاعه أمام الملايين هو نوع من الاستجواب اللاإنساني؟
وهو نوع من القهر يحول الفقير من صاحب حق في زكاة وصدقة مستترة بكرامة وعزة إلى مادة
للفرجة والمشاهدة والشفقة بل و«الترند» أحياناً!
إن مثل هؤلاء ممن يستعرضون آلام الفقراء في
برامجهم الخيرية أو إعلاناتهم المشابهة لا يقدمون المساعدة لمستحقيها، بقدر ما يملؤون
ساعات الهواء في المحطات التلفزيونية أو على برامج التواصل الاجتماعي المختلفة بحلقات
دراما البؤس والشقاء؛ حيث يُصبح بكاء المحتاج هو الضريبة التي يدفعها مقابل استجداء
حقه في الحياة.
وكثيراً ما تتسابق عليه المؤسسات المختصة
لرفع نسب التفاعل في «الـسوشيال ميديا»، متجاهلين أن خلف هذه الكاميرات إنساناً يُذبح
كبرياؤه في كل مرة يُعاد فيها بث صرخته أو دموعه من أجل حملة تبرعات ناجحة أرقامها
بالملايين، لكن ضحيتها الأولى هي كرامة ذلك المواطن الذي لا يمتلك من أمره حولاً ولا
قوة، فتصبح تفاصيل معاناته الشخصية مشاعاً عاماً لجمهور يشاهد بصمت، يتأثر للحظة، ثم
ينسى سريعاً، أو يذهب للتبرع عبر الحسابات البنكية المعلنة على الشاشة، بينما يظل المريض
أو المحتاج وحيداً في مواجهة سكب ماء وجهه وكرامته التي انكشف سترها أمام الجميع.
برامج ملهمة
ومع هذا، فإن الإنصاف يقتضي منا أن نفرق بوضوح
بين من يفعل ذلك وفي نيته أن يستر المحتاج ويساعده في تيسير أموره، ومن يشهّر به وبأوجاعه
وفاقته، ففي الكويت ودول الخليج على سبيل المثال نشهد إرثاً عظيماً ومختلفاً من العمل
الخيري الذي لا يباهي ولا يستعرض؛ ذلك الذي يركز على الأثر الذي يتركه العمل في نفس
المجتمع فلا تهمه اللقطة و«الترند» أو نسب المشاهدات، وذلك عبر مؤسسات ومبادرات رائدة
تعمل في الخفاء أو العلن لتمكين الأسر المتعففة دون خدش حيائها.
أما الجانب الأكثر قسوة في هذه الظاهرة، فيظل
مرتكزاً حول التوغل في أروقة المراكز الصحية والمستشفيات، حيث تُنتهك خصوصية مريض فقير
في لحظة ضعفه القصوى، فتُعرض معاناته مع أجهزة التنفس أو آلام العلاج الكيماوي لمجرد
استدرار العواطف وجذب التبرعات، وهو ما يُعد انحداراً قيمياً لا يمكن تبريره، إذ إن
المستشفى يجب أن يبقى دائماً محراباً ومأوى آمناً للعلاج، فلا يستغله المعلنون ويحولونه
إلى أستوديو تصوير لعرض الأوجاع في رمضان وغير رمضان كبضاعة موسمية تؤتي أكلها، مع
إهدار حق الخصوصية للمريض ولو كانت خصوصية الألم.
ما أتعس الموقف حين يُصبح ألم المرضى محتوى
عابراً للقارات! فتنتفي الرحمة في تصوير طفل يتألم أو مسن يصارع الموت من أجل دغدغة
مشاعر المتبرعين.
وبعيداً عن العتاب الأخلاقي، فإن ما يحدث
يصطدم مباشرة بالحق في الخصوصية الذي أشرنا إليه هو حق كفلته القوانين، فالدساتير والقوانين
المحلية، في كثير من الدول العربية تُجرم تصوير الأفراد في لحظاتهم الخاصة أو استغلال
صورهم دون إذن كتابي صريح ومحدد، وهو ما لا يستطيعه المريض أو المحتاج الواقع تحت ضغط
الحاجة في غالب الأمر؛ لذا، فإن انتهاك حرمة الحياة الخاصة في مراكز العلاج أو دور
الرعاية أو مع بعض الأفراد تجاوز قانوني يستوجب المساءلة، فالحق في حفظ ماء وجه المحتاج
وكرامته حق أصيل يكفله القانون والشرع.
المشكلة الحقيقية
تكمن المشكلة الحقيقية في تلك الجماهير التي
لا يتحرك في نفوسهم وازع الخير إلا إذا كان المصور جاهزاً بوضعية الـ«Slow
Motion»، هؤلاء الذين يقتحمون خصوصية المحتاج ويصورون
لحظة انكساره وهو يستلم كرتونة مواد غذائية أو حتى وجبة، وكأن لسان حالهم يقول: انظروا
إليّ، أنا المحسن الكبير!
إن هذا النوع من العطاء عطاء مسموم يقتل روح
الصدقة ويمحقها، فالعطاء الذي يكسر نفس الفقير أو المريض أمام الملايين ليس إحساناً،
بل إهانة مغلفة بورق هدايا، والجهات التي تحترم رسالتها هي التي تفتخر بعدد الذين استعادوا
كرامتهم واستقلالهم المادي، لا بعدد الوجوه التي بكت وصُورت غصباً أمام عدساتها.
المبالغة في تصوير الفرحة المصطنعة لحظة استلام
المعونة لا تخدم الفقير، بقدر ما تخدم العلامة التجارية للجهة المعلنة، وتحول العمل
الإنساني النبيل إلى «شو» إعلامي، و«بروباغندا» مقززة، تبحث عن نسب المشاهدة والتفاعل.
إننا اليوم بحاجة إلى وعي مجتمعي يفرق بين
من يبني الإنسان ومن يتاجر بآلامه؛ لأن العمل الخيري يبقى أرقى وأطهر من أن يُدنس بهوس
الشهرة أو فلاشات الكاميرات المتربصة بالدموع والأوجاع.
وهنا يبقى السؤال المعلق في ذمة كل من يتاجر
بالألم: هل كنتم ستتصدقون للمحتاجين وتعالجون المرضى بذات الكرم لو كانت الكاميرات
مطفأة والأنوار خافتة، أم أن الخير في عرفكم لا يكتمل إلا بدموع الجمهور حين يرون انكسار
ذوي الحاجات؟
اقرأ
أيضاً:
رمضان والعمل الخيري.. من العبادة إلى الاستعراض
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً