«فلترة المعلومات».. طوق النجاة من فوضى المحتوى الرقمي

عامر شماخ

21 يوليو 2025

479

من خلال الاستخدام المطرد للأجهزة الرقمية والحاسبات، وكل ما هو متصل بـ«الشبكة العنكبوتية»، تَوَلّد ما يُعرف بـ«المعلومات الضخمة»، فهناك مليارات البشر حول العالم على اتصال بهذه الشبكة، على اختلاف استخداماتهم، كل هذا يُحْدِث حالة من عدم قدرة الفرد على معالجة هذه المعلومات، أو فهمها بطريقة سليمة ومن ثم اتخاذ قرار بشأنها.

ولذلك، بات من الضروري على المستخدم التحقق من صحة ما يتلقاه من محتوى الآخرين على الإنترنت، ودوافع النشر، والتمييز بين الخبر الصادق والكاذب؛ بعدما صار من المعتاد -في ظل غياب التوثيق وإرفاق المصادر، وانتشار المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي- انتشار الشائعات والأخبار المضللة، ضمن هذا الكم الهائل من المعلومات، التي تقذفها ملايين المواقع والمصادر كل ساعة.

فوضى معلوماتية

هناك ما يمكن تسميته «الفوضى المعلوماتية على الإنترنت»، في صورة تكدس هائل للمعلومات، الصحيحة والمضللة، والمفيدة وغير المفيدة، وهذه الفوضى تصعِّب على المستخدم الوصول إلى المعلومة الدقيقة، كما تؤثر على عملية البحث ذاتها، هناك وفرة من المحتوى تفوق قدرة المستخدم على الاستيعاب أو التحليل، وهناك معلومات خاطئة ناتجة إما عن الخداع أو الجهل أو إعادة النشر من دون تحقق، ولا أحد يجادل أن الشبكة تستخدم أيضًا للتلاعب بالرأي العام، وللدعاية لأفكار ومعتقدات بشكل منحاز، أو لنشر شائعات ضارة ربما كانت جزءًا من حرب نفسية بين خصمين.

وهذه الفوضى وإن بدت خلّاقة، إلا أنها خلّفت عشوائية معلوماتية، وبيئة غير خاضعة للرقابة، تعجُّ بالأخبار الزائفة وتفتقر لأدنى آليات عمل مهنة الإعلام، أو الصحافة والنشر، لقد أصبح التنافس على منصات الشبكة قائمًا على عدد القراء والزيارات، وعلى الكم دون الكيف، دون النظر إلى الجوانب الأخلاقية أو العقدية، حتى تفوقت في كثير من الأحيان الأكاذيب على الحقائق؛ ليجد المستخدم نفسه أمام ركام هائل من البيانات المتناقضة، وأمام دعائيين أذكياء باستطاعتهم تضليل المتلقي والنجاح في إبقاء ساحة الشبكة مفتوحة لبث المزيد من الأكاذيب.  

ما الفلترة؟ ولماذا؟

فلترة المعلومات هي تنظيم وتصفية البيانات التي يتلقاها المستخدم من الإنترنت، بغرض التخلص من المحتوى غير المفيد، والاحتفاظ بالمحتوى الجيد، ومن ثم تقليل عبء الاحتفاظ بالمعلومات غير المهمة، وتحسين الكفاءة لتحصيل المعارف المطلوبة، وهذه الفلترة إما تكون يدوية يقوم بها المستخدم بنفسه، كحذف الرسائل غير المفيدة أو الاطلاع على مصادر أخبار بعينها؛ أو فلترة تلقائية تعتمد على الخوارزميات ويتم تطبيقها كأنظمة تقنية في المنصات المختلفة؛ أو فلترة تعاونية بالتشارك بين مجموعة من المستخدمين لتصفية المحتوى.

وقد أضحت فلترة المعلومات على الإنترنت ضرورة نظرًا للكم الهائل من المعلومات على الشبكة، نتاج مليارات الصفحات والمصادر، ومن دون فلترة والتمييز بين المضلل والمفيد، يكون المستخدم عُرضة للإرهاق المعرفي والتشويش الفكري، الأمر إذًا ليس رفاهية، بل يتعلق أولًا بجودة المعرفة، ثم بسلامة الفرد والمجتمع عمومًا، وتزداد أهمية هذه الفلترة في أوقات الأزمات؛ لضمان التوعية وتجنب الأخطار، فضلًا عن ضرورتها للحدِّ من «التحيزات الخوارزمية»، وتعزيز جودة البحث العلمي، وسلامة الأطفال والمراهقين من الإباحية والعنف والكراهية؛ ولحماية قيمنا الدينية والثقافية والأخلاقية.

أساليب وأدوات الفلترة

ومن أجل حماية المستخدمين من المحتوى غير الملائم، ولضمان تصفح آمن وفعّال، برزت أهمية وجود أساليب وأدوات (أنظمة) فلترة، فمن هذه الأساليب:

- التحقق من موثوقية المصدر، ومعرفة خلفيته، ومن تاريخ النشر.

- تفضيل المواقع الشهيرة ذات السمعة الحسنة.

- استخدام التفكير النقدي، بتحليل مضمون الخبر، والنظر في أدلته، والمقارنة بين مصادر متعددة للتفرقة بين الدعاية والمحتوى التحريري.

- استخدام كلمات مفتاحية قليلة ومركّزة تقلل النتائج غير ذات الصلة.

أما بالنسبة لأدوات وأنظمة الفلترة، فهي كثيرة وذات أغراض متنوعة، كأدوات التحقق من الأخبار وفحص الشائعات (مثل: Fact Check Org)، أو محركات البحث عن نوع الملف وموقعه ونطاقه الزمني (مثل: Google Advaced Search)، وهناك أدوات لتقييم المواقع الخبرية، وأخرى لمنع الإعلانات المضللة والمحتوى المزعج، كما يمكن الاستعانة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحليل واكتشاف المعلومات الزائفة، وتبسيط البيانات المعقدة.

نحو بيئة رقمية أكثر انضباطًا ووعيًا

ذكرنا أن من إيجابيات «فلترة المعلومات» أنها تعزز الأمن الرقمي، وتحد من انتشار المعلومات الكاذبة، وتدعم القيم الأخلاقية والثقافية، وتحمي من المحتوى الإباحي والضار، خصوصًا بالنسبة للأطفال.. ومن أجل بناء بيئة رقمية أكثر انضباطًا ووعيًا، تعتمد على الحدّ من فوضى المحتوى، يجب:

- تعميم التثقيف الرقمي في المدارس والجامعات؛ لتعزيز الوعي بالأمن السيبراني، ونشر ثقافة التحقق من الروابط والمصادر.

- تنظيم حملات توعوية بآليات الفلترة والتحقق من المعلومات المضللة أو الخاطئة، تركّز نشاطاتها في وسائل التربية المجتمعية.

- تعزيز المسؤولية الرقمية لدى المستخدمين؛ لتقليل المحتوى الضار أو المشكوك فيه.

- دعم المنصات التي تقدم محتويات نوعية، وإيجاد تعاون مؤسسي لتعزيز جودة المحتوى.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة