‌كظم الغيظ ورفعة الدرجات في ضوء البيان النبوي

‌كظم الغيظ ورفعة الدرجات في ضوء البيان النبوي

في ظل ضغوطات الحياة واختلاف طبائع بني الإنسان، ومع تحوّل الغضب إلى ظاهرة اجتماعية تُفسد العلاقات، وتهدم الترابط حيث تتزايد الضغوط وتكثر دواعي الغضب.. تبرز الحاجة الملحة إلى مهارة حياتية وقيمة أخلاقية تحفز الإنسان وتشجعه على التحكم في الانفعال، وتحويل طاقات الغضب إلى أجر عظيم.

جاء هذا في الحديث الذي رواه سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «‌مَنْ ‌كَظَمَ ‌غَيْظًا ‌وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُؤوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الْحُورِ شَاءَ» (سنن ابن ماجه، 5/ 280).

«الكظم» في العربية يدلُّ على معنًى واحد، وهو الإمساك والحبس للشَّيء. ومنه الكُظوم: السُّكوت وهو إمساك البعير عن الجِرَّة، والكَظْم مأخوذ من كظم السقاء إذا أُحكم شده، وهو ما يوحي بسيطرة داخلية محكمة، وكظم الغيظ معناه اجتراع الغَيظ والإمساك عن إبدائه، وكأنَّه يجمعه الكاظمُ في جوفه، فكظم الغيظ ليس مجرد سلوك فردي، بل هو قيمة حضارية تُسهم في بناء مجتمع متماسك قائم على العفو والإحسان كأحد أعمدة الأخلاق الإسلامية، ويُظهر أن الجزاء الأخروي مرتبط بقدرة الإنسان على ضبط نفسه رغم قدرته على الانتقام.

التحليل النحوي للمفردات الحديث

بدأ الحديث بأسلوب الشرط الذي يربط الجزاء بجنس العمل ربطًا منطقيًا وآداته (مَن) التي تدل على العموم، ويتضح جمال التعبير اللغوي في اختيار فعل الشرط (كَظَمَ)؛ فالكظم في اللغة يُستخدم للإمساك والحبس وسدّ قِربة الماء عند امتلائها، وهو ما يوحي بأن الغضب يغلي في صدر المؤمن، لكنه يضغط عليه ويحبسه بقوة إيمانه، وقد أثنى القرآنُ الكريم على الكاظمين الغيظ في سياق الإنفاق والإحسان في قَوْلِهِ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134).

وقد جاءت كلمة «غيظاً» نكرة لتفيد الشمول؛ أيّ غيظٍ كان، كبيراً أو صغيراً، وهو ما يفتح باب الرجاء لكل من كتم غيظه.

«وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ»: جملة حالية تُبرز عنصر القدرة، وهو قيدٌ أساسي؛ إذ يميز بين من يكظم بلا قدرة ليس كاظماً حقيقة، بل عاجزاً مضطرا، أما الكاظم مع القدرة فهو المتحكم بزمام نفسه، المنتصر على شهوة الانتقام؛ ولذلك جعل رسولنا الكريم التغلب على النفس والتحكم في الانفعال أعلى مراتب الشجاعة فأعاد تعريفَ القوة من المعنى المادي إلى المعنى المعنوي النفسي فقال صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» (متفق عليه).

التحليل البلاغي للحديث

التعبير بالاستعارة المكنية التي تمنح المعنى بعدًا حسيًا يُقربه إلى الأذهان في:

«كَظَمَ غَيْظًا» حيث شبّه الغيظ بشيء مادي يُحبس ويُكتم وكأنه مادة سائلة داخل وعاء (الصدر)، فقام المؤمن بسد هذا الوعاء، وهذا يجسد الصراع الداخلي بين شهوة الانتقام وسكينة الإيمان التعبير بالجملة الاسمية.

«وَهُوَ قَادِرٌ» للإشارة إلى الثبات والاستمرار؛ فصفة القدرة ثابتة فيه لحظة الكظم، ليست عارضة.

«دَعَاهُ اللهُ» فالدعاء هنا بمعنى الاستدعاء والتشريف والتكريم، لا بمعنى طلب الحاجة. فهو نداء خاص من الرب سبحانه، إشارة إلى منزلة رفيعة.

«عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ» استعارة تمثيلية تنقل المعنى من التجريد إلى التجسيد إذ يصور الموقف كأنه محفل عظيم تبرز فيه شخصية الكاظم لغيظه، وتنحسر أمامه رؤوس الخلائق تواضعاً لكرامته ويتوجه إليه النداء الإلهي أمام الخلق أجمعين وهذه الصورة البلاغية تثير في النفس هيبة الموقف الذي يُجسّد الحضورَ الكوني الشاهد على هذا التكريم.

«يخيّره من أي الحور شاء» يدل على بلوغ أعلى مراتب الجزاء، وهو إضفاء عنصر الاختيار، إذ لا يُعطى الكاظمُ جزاءً جاهزاً بل تُمنح له سلطةُ الاختيار، فيتحوّل من متلقٍّ إلى فاعل مُكرَّم في أعلى درجات النعيم، والتكريم ليس في «اختيار الحور» فقط، بل في كونه «على رؤوس الخلائق»، وهو أعظم أنواع التعويض النفسي لمن كسر كبرياءه وكظم غيظه.

المقابلة المعنوية: قابَل الحديث بين «الحبس والخفاء» (كظم الغيظ) في الدنيا، وبين «النداء والعلانية» (على رؤوس الخلائق) في الآخرة فمن أخفى لِلهِ عملاً في صدره، أظهره الله تشريفاً له في الملأ الأعلى.

وأخيراً، يظل هذا الهدي النبوي شاهدًا على روعة البيان النبوي، الذي يجمع بين الإيجاز والعمق، فهو يمثل تقنية علاجية لإدارة الانفعالات في عصرٍ يتسم بالتوتر إذ يجعل من كظم الغيظ استثمارًا أخلاقيًا ممتد الأثر؛ فهو كفيلٌ بوأد الفتن في مهدها، وتحويل طاقة الغضب المدمرة إلى طاقة صبر بناءة، وهو بَابٌ لِلتَّكْرِيمِ الْإِلَهِيِّ أمام الخلق أجمعين يوم القيامة، فمن مَلَك نفسه في الدنيا، مَلَّكه الله ما يشاء في الآخرة.

 


اقرأ أيضاً:

 - بين رقة الطبع وعمق الاحتواء.. قراءة أسلوبية في الوصية النبوية بالنساء

- تجليات البيان النبوي في القيادة التربوية والإرشادية

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة